فهرس الكتاب

الصفحة 4930 من 6606

النصب فعلى قولنا وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ كأنه قال وألنا لداود الحديد وسخرنا لسليمان الريح

المسألة الثالثة المسخر لسليمان كانت ريحًا مخصوصة لا هذه الرياح فإنها المنافع عامة في أوقات الحاجات ويدل عليه أنه لم يقرأ إلا على التوحيد فما قرأ أحد الرياح

المسألة الرابعة قال بعض الناس المراد من تسخير الجبال وتسبيحها مع داود أنها كانت تسبح كما يسبح كل شيء وَإِن مّن شَى ْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ ( الإسراء 44 ) وكان هو عليه السلام يفقه تسبيحها فيسبح ومن تسخير الريح أنه راض الخيل وهي كالريح وقوله غُدُوُّهَا شَهْرٌ ثلاثون فرسخًا لأن من يخرج للتفرج في أكثر الأمر لا يسير أكثر من فرسخ ويرجع كذلك وقوله في حق داود وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ وقوله في حق سليمان وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ أنهم استخرجوا تذويب الحديد والنحاس بالنار واستعمال الآلات منهما والشياطين أي أناسًا أقوياء وهذا كله فاسد حمله على هذا ضعف اعتقاده ( و ) عدم اعتماده على قدرة الله والله قادر على كل ممكن وهذه أشياء ممكنة

المسألة الخامسة أقول قوله تعالى وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودُ الْجِبَالُ ( الأنبياء 79 ) وقوله وَلِسُلَيْمَانَ الرّيحَ عَاصِفَة ً لو قال قائل ما الحكمة في أن الله تعالى قال في الأنبياء وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودُ الْجِبَالُ وفي هذه السورة قال فَضْلًا ياجِبَالُ أَوّبِى مَعَهُ ( سبأ 10 ) وقال في الريح هناك وههنا وَلِسُلَيْمَانَ تقول الجبال لما سبحت شرفت بذكر الله فلم يضفها إلى داود بلام الملك بل جعلها معه كالمصاحف والريح لم يذكر فيها أنها سبحت فجعلها كالمملوكة له وهذا حسن وفيه أمر آخر معقول يظهر لي وهو أن على قولنا أَوّبِى مَعَهُ سيري فالجبل في السير ليس أصلًا بل هو يتحرك معه تبعًا والريح لا تتحرك معه سليمان بل تحرك سليمان مع نفسها فلم يقل الريح مع سليمان بل سليمان كان مع الريح وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ أي النحاس وَمِنَ الْجِنّ أي سخرنا له من الجن وهذا ينبىء عن أن جميعهم ما كانوا تحت أمره وهو الظاهر

واعلم أن الله تعالى ذكر ثلاثة أشياء في حق داود وثلاثة في حق سليمان عليهما الصلاة والسلام فالجبال المسخرة لداود من جنس تسخير الريح لسليمان وذلك لأن الثقيل مع ما هو أخف منه إذا تحركا يسبق الخفيف الثقيل ويبقى الثقيل مكانه لكن الجبال كانت أثقل من الآدمي والآدمي أثقل من الريح فقدر الله أن سار الثقيل مع الخفيف أي الجبال مع داود على ما قلنا أَوّبِى أي سيري وسليمان وجنوده مع الريح الثقيل مع الخفيف أيضًا والطير من جنس تسخير الجن لأنهما لا يجتمعان مع الإنسان الطير لنفوره من الإنس والإنس لنفوره من الجن فإن الإنسان يتقي مواضع الجن والجن يطلب أبدًا اصطياد الإنسان والإنسان يطلب اصطياد الطير فقدر الله أن صار الطير لا ينفر من داود بل يستأنس به ويطلبه وسليمان لا ينفر من الجن بل يسخره ويستخدمه وأما القطر والحديد فتجاذبهما غير خفي وههنا لطيفة وهي أن الآدمي ينبغي أن يتقي الجن ويجتنبه والاجتماع به يفضي إلى المفسدة ولهذا قال تعالى أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّياطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبّ أَن يَحْضُرُونِ ( المؤمنون 97 98 ) فكيف طلب سليمان الاجتماع بهم فنقول قوله تعالى مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبّهِ إشارة إلى أن ذلك الحضور لم يكن فيه مفسدة ولطيفة أخرى وهي أن الله تعالى قال ههنا بِإِذْنِ رَبّهِ بلفظ الرب وقال وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا ولم يقل عن أمر ربه وذلك لأن الرب لفظ ينبىء عن الرحمة فعندما كانت الإشارة إلى حفظ سليمان عليه السلام قال رَبَّهُ وعندما كانت الإشارة إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت