فهرس الكتاب
تعذيبهم قال عَنْ أَمْرِنَا بلفظ التعظيم الموجب لزيادة الخوف وقوله تعالى نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ فيه وجهان أحدهما أن الملائكة كانوا موكلين بهم وبأيديهم مقارع من نار فالإشارة إليه وثانيهما أن السعير هو ما يكون في الآخرة فأوعدهم بما في الآخرة من العذاب
يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا ءَالَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِى َ الشَّكُورُ
المحاريب إشارة إلى الأبنية الرفيعة ولهذا قال تعالى إِذْ تَسَوَّرُواْ الْمِحْرَابَ والتماثيل ما يكون فيها من النقوش ثم لما ذكر البناء الذي هو المسكن بين ما يكون في المسكن من ماعون الأكل فقال وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ جمع جابية وهي الحوض الكبير الذي يجبي الماء أي يجمعه وقيل كان يجتمع على جفنة واحدة ألف نفس وَقُدُورٍ رسِيَاتٍ ثابتات لا تنقل لكبرها وإنما يغرف منها في تلك الجفان وفيه مسائل
المسألة الأولى قدم المحاريب على التماثيل لأن النقوش تكون في الأبنية وقدم الجفان في الذكر على القدور مع أن القدور آلة الطبخ والجفان آلة الأكل والطبخ قبل الأكل فنقول لما بين الأبنية الملكية أراد بيان عظمة السماط الذي يمد في تلك الدور وأشار إلى الجفان لأنها تكون فيه وأما القدور فلا تكون فيه ولا تحضر هناك ولهذا قال وَقُدُورٍ رسِيَاتٍ أي غير منقولات ثم لما بين حال الجفان العظيمة كان يقع في النفس أن الطعام الذي يكون فيها في أي شيء يطبخ فأشار إلى القدور المناسبة للجفان
المسألة الثانية ذكر في حق داود اشتغاله بآلة الحرب وفي حق سليمان بحالة السلم وهي المساكن والمآكل وذلك لأن سليمان كان ولد داود وداود قتل جالوت والملوك الجبابرة واستوى داود على الملك فكان سليمان كولد ملك يكون أبوه قد سوى على ابنه الملك وجمع له المال فهو يفرقه على جنوده ولأن سليمان لم يقدر أحد عليه في ظنه فتركوا الحرب معه وإن حاربه أحد كان زمان الحرب يسيرًا لإدراكه إياه بالريح فكان في زمانه العظمة بالإطعام والإنعام
المسألة الثالثة لما قال عقيب قوله تعالى أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ اعملوا صالحًا قال عقيب ما يعمله الجن اعْمَلُواْ ءالَ دَاوُودُ شَاكِرًا إشارة إلى ما ذكرنا أن هذه الأشياء حالية لا ينبغي أن يجعل الإنسان نفسه مستغرقة فيها وإنما الواجب الذي ينبغي أن يكثر منه هو العمل الصالح الذي يكون شكرًا وفيه إشارة إلى عدم الالتفات إلى هذه الأشياء وقلة الاشتغال بها كما في قوله وَقَدّرْ فِى السَّرْدِ أي اجعله بقدر الحاجة
المسألة الرابعة انتصاب شكرًا يحتمل ثلاثة أوجه أحدها أن يكون مفعولًا له كقول القائل جئتك طمعًا وعبدت الله رجاء غفرانه وثانيها أن يكون مصدرًا كقول القائل شكرت الله شكرًا ويكون المصدر من غير لفظ الفعل كقول القائل جلست قعودًا وذلك لأن العمل شكر فقوله اعْمَلُواْ يقوم مقام قوله