فهرس الكتاب

الصفحة 4944 من 6606

يراد بها المؤمن ثم وعد المؤمن بخلاف ما للكافر فإن الكافر دابره مقطوع وماله إلى الزوال ومآله إلى الوبال وأما المؤمن فما ينفقه يخلفه الله ومخلف الله خير فإن ما في يد الإنسان في معرض البوار والتلف وهما لا يتطرقان إلى ما عند الله من الخلف ثم أكد ذلك بقوله وَاللَّهُ خَيْرُ الرزِقِينَ وخيرية الرازق في أمور أحدها أن لا يؤخر عن وقت الحاجة والثاني أن لا ينقص عن قدر الحاجة والثالث أن لا ينكده بالحساب والرابع أن لا يكدره بطلب الثواب والله تعالى كذلك

أما الأول فلأنه عالم وقادر والثاني فلأنه غني واسع والثالث فلأنه كريم وقد ذكر ذلك بقوله يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ ( البقرة 212 ) وما ذكرنا هو المراد أي يرزقه حلالًا لا يحاسبه عليه والرابع فلأنه علي كبير والثواب يطلبه الأدنى من الأعلى ألا ترى أن هبة الأعلى من الأدنى لا تقتضي ثوابًا

المسألة الثانية قوله تعالى وَمَا أَنفَقْتُمْ مّن شَى ْء فَهُوَ يُخْلِفُهُ يحقق معنى قوله عليه الصلاة والسلام ( ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان يقول أحدهما اللهم أعط منفقًا خلفًا ويقول الآخر اللهم اعط ممسكًا تلفًا ) وذلك لأن الله تعالى ملك على وهو غني ملى فإذا قال أنفق وعلى بدله فبحكم الوعد يلزمه كما إذا قال قائل ألق متاعك في البحر وعلى ضمانه فمن أنفق فقد أتى بما هو شرط حصول البدل فيحصل البدل ومن لم ينفق فالزوال لازم للمال ولم يأت بما يستحق عليه من البدل فيفوت من غير خلف وهو التلف ثم إن من العجب أن التاجر إذا علم أن مالًا من أمواله في معرض الهلاك يبيعه نسيئة وإن كان من الفقراء ويقول بأن ذلك أولى من الإمهال إلى الهلاك فإن لم يبع حتى يهلك ينسب إلى الخطأ ثم إن حصل به كفيل ملىء ولا يبيع ينسب إلى قلة العقل فإن حصل به رهن وكتب به وثيقة ولا يبيعه ينسب إلى الجنون ثم إن كل أحد يفعل هذا ولا يعلم أن ذلك قريب من الجنون فإن أموالنا كلها في معرض الزوال المحقق والإنفاق على الأهل والولد إقراض وقد حصل الضامن الملىء وهو الله العلي وقال تعالى وَمَا أَنفَقْتُمْ مّن شَى ْء فَهُوَ يُخْلِفُهُ ثم رهن عند كل واحد إما أرضًا أو بستانًا أو طاحونة أو حمامًا أو منفعة فإن الإنسان لا بد من أن يكون له صنعة أو جهة يحصل له منها مال وكل ذلك ملك الله وفي يد الإنسان بحكم العارية فكأنه مرهون بما تكفل الله من رزقه ليحصل له الوثوق التام ومع هذا لا ينفق ويترك ماله ليتلف لا مأجورًا ولا مشكورًا

المسألة الثالثة قوله خَيْرُ الرَّازِقِينَ ينبىء عن كثرة في الرازقين ولا رازق إلا الله فما الجواب عنه فنقول عنه جوابان أحدهما أن يقال الله خير الرازقين الذين تظنونهم رازقين وكذلك في قوله تعالى وهو أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ( الصافات 125 ) وثانيهما هو أن الصفات منها ما حصل لله وللعبد حقيقة ومنها ما يقال لله بطريق الحقيقة وللعبد بطريق المجاز ومنها ما يقال لله بطريق الحقيقة ولا يقال للعبد لا بطريق الحقيقة ولا بطريق المجاز لعدم حصوله للعبد لا حقيقة ولا صورة مثال الأول العلم فإن الله يعلم أنه واحد والعبد يعلم أنه واحد بطريق الحقيقة وكذلك العلم بكون النار حارة غاية ما في الباب أن علمه قديم وعلمنا حادث مثال الثاني الرازق والخالق فإن العبد إذا أعطى غيره شيئًا فإن الله هو المعطي ولكن لأجل صورة العطاء منه سمي معطيًا كما يقال للصورة المنقوشة على الحائط فرس وإنسان مثال الثالث الأزلي والله وغيرهما وقد يقال

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت