فهرس الكتاب
الأسفار من الخانات فإن من يكون في مباشرة شغل لا يظهر عليه الإعياء إلا بعدما يستريح فقال تعالى لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ أي ليست الجنة كالمواضع التي في الدنيا مظان المتاعب بل هي أفضل من المواضع التي هي مواضع مرجع العي فقال وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ أي لا نخرج منها إلى مواضع نتعب ونرجع إليها فيمسنا فيها الإعياء وقرىء لُغُوبٌ بفتح اللام والترتيب على هذه القراءة ظاهر كأنه قال لا نتعب ولا يمسنا ما يصلح لذلك وهذا لأن القوي السوي إذا قال ما تعبت اليوم لا يفهم من كلامه أنه ما عمل شيئًا لجواز أنه عمل عملًا لم يكن بالنسبة إليه متعبًا لوقته فإذا قال ما مسني ما يصلح أن يكون متبعًا يفهم أنه لم يعمل شيئًا لأن نفس العمل قد يصلح أن يكون متعبًا لضعيف أو متعبًا بسبب كثرته واللغوب هو ما يغلب منه وقيل النصب التعب الممرض وعلى هذا فحسن الترتيب ظاهر كأنه قال لا يمسنا مرض ولا دون ذلك وهو الذي يعيا منه مباشرة
وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِى كُلَّ كَفُورٍ
ثم قال تعالى وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ عطف على قوله إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وما بينهما كلام يتعلق بالذين يتلون كتاب الله على ما بينا وقوله جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا قد ذكرنا أنه على بعض الأقوال راجع إلى الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ
ثم قال تعالى لا يَقْضِى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ أي لا يستريحون بالموت بل العذاب دائم
وقوله تعالى وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِى كُلَّ كَفُورٍ أي النار وفيه لطائف الأولى أن العذاب في الدنيا إن دام كثيرًا يقتل فإن لم يقتل يعتاده البدن ويصير مزاجًا فاسدًا متمكنًا لا يحس به المعذب فقال عذاب نار الآخرة ليس كعذاب الدنيا إما أن يفني وإما أن يألفه البدن بل هو في كل زمان شديد والمعذب فيه دائم الثانية راعي الترتيب على أحسن وجه وذلك لأن الترتيب أن لا ينقطع العذاب ولا يفتر فقال لا ينقطع ولا بأقوى الأسباب وهو الموت حتى يتمنون الموت ولا يجابون كما قال تعالى وَنَادَوْاْ يامَالِكُ مَالِكَ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ أي بالموت الثالثة في المعذبين اكتفى بأنه لا ينقص عذابهم ولم يقل نزيدهم عذابًا وفي المثابين ذكر الزيادة بقوله وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ ثم لما بين أن عذابهم لا يخفف
وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُواْ فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ
قال تعالى وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا أي لا يخفف وإن اصطرخوا واضطربوا لا يخفف الله من عنده إنعامًا إلى أن يطلبوه بل يطلبون ولا يجدون والاصطراخ من الصراخ والصراخ صوت المعذب
وقوله تعالى رَبَّنَا أَخْرِجْنَا أي صراخهم بهذا أي يقولون رَبَّنَا أَخْرِجْنَا لأن صراخهم كلام وفيه إشارة إلى أن إيلامهم تعذيب لا تأديب وذلك لأن المؤدب إذا قال لمؤدبه لا أرجع إلى ما فعلت وبئسما