فهرس الكتاب

الصفحة 5097 من 6606

المسألة الأولى اعلم أنه تعالى لما ذكر أقاصيص الأنبياء عليهم السلام عاد إلى شرح مذاهب المشركين وبيان قبحها وسخافتها ومن جملة أقوالهم الباطلة أنهم أثبتوا الأولاد لله سبحانه وتعالى ثم زعموا أنها من جنس الإناث لا من جنس الذكور فقال فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ وهذا معطوف على قوله في أول السورة فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا مِن خَلَقْنَا ( الصافات 11 ) وذلك لأنه تعالى أم رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) باستفتاء قريش عن وجه إنكار البعث أولًا ثم ساق الكلام موصولًا بعضه ببعض إلى أن أمره بأن يستفتيهم في أنهم لم أثبتوا لله سبحانه البنات ولأنفسهم البنين ونقل الواحدي عن المفسرين أنهم قالوا إن قريشًا وأجناس العرب جهينة وبني سلمة وخزاعة وبني مليح قالوا الملائكة بنات الله واعلم أن هذا الكلام يشتمل على أمرين أحدهما إثبات البنات لله وذلك باطل لأن العرب كانوا يستنكفون من البنت والشيء الذي يستنكف المخلوق منه كيف يمكن إثباته للخالق والثاني إثبات أن الملائكة إناث وهذا أيضًا باطل لأن طريق العلم إما الحس وإما الخبر وإما النظر أما الحس فمفقود ههنا لأنهم ما شهدوا كيفية تخليق الله الملائة وهو المراد من قوله أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَة َ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ وأما الخبر فمنقود أيضًا لأن الخبر إنما يفيد العلم إذا علم كونه صدقًا قطعًا وهؤلاء الذين يخبرون عن هذا الحكم كذابون أفاكون لم يدل على صدقهم لا دلالة ولا أمارة وهو المراد من قوله أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ وأما النظر فمفقود وبيانه من وجهين الأول أن دليل العقل من إسناد الأخس إلى الأفضل فإن كان حكم العقل معتبرًا في هذا الباب كان قولكم باطلًا والوجه الثاني أن نترك الاستدلال على فساد مذهبهم بل نطالبهم بإثبات الدليل الدال على صحة مذهبهم فإذا لم يجدوا ذلك الدليل فضده يظهر أنه لم يوجد ما يدل على صحة قولهم وهذا هو المراد من قوله أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ فثبت بما ذكرنا أن القول الذي ذهبوا إليه لم يدل على صحته لا الحس ولا الخبر ولا النظر فكان المصير إليه باطلًا قطعًا واعلم أنه تعالى لما طالبهم بما يدل على صحة مذهبهم دل ذلك على أن التقليد باطل وأن الدين لا يصح إلا بالدليل

المسألة الثانية قوله أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ قراءة العامة بفتح الهمزة وقطعها من اصْطَفَى ثم بحذف ألف الوصل وهو استفهام توبيخ وتقريع كقوله تعالى أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ ( الزخرف 16 ) وقوله تعالى أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ ( الطور 39 ) وقوله تعالى أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الاْنثَى ( النجم 21 ) وكما أن هذه المواضع كلها استفهام فكذلك في هذه الآية وقرأ نافع في بعض الروايات لَكَاذِبُونَ اصْطَفَى موصولة بغير استفهام وإذا ابتدأ كسر الهمزة على وجه الخبر والتقدير اصطفى البنات في زعمهم كقوله ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ( الدخان 49 ) في زعمه واعتقاده

ثم قال تعالى وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّة ِ نَسَبًا واختلفوا في المراد بالجنة على وجوه الأول قال مقاتل أثبتوا نسبًا بين الله تعالى وبين الملائكة حين زعموا أنهم بنات الله وعلى هذا القول فالجنة هم الملائكة سموا جنًا لاجتنانهم عن الأبصار أو لأنهم حزان الجنة وأقول هذا القول عندي مشكل لأنه تعالى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت