فهرس الكتاب
والرابع أن الاستعاذة بالله من الشيطان إنما تعقل وتحسن لو كانت تلك الوسوسة فعلا للشيطان أما إذا كانت فعلا لله ولم يكن للشيطان في وجودها أثر البتة فكيف يستعاذ من شر الشيطان بل الواجب أن يستعاذ على هذا التقدير من شر الله تعالى لأنه لا شر إلا من قبله الخامس أن الشيطان يقول إذا كنت ما فعلت شيئا أصلا وأنت يا إله الخلق علمت صدور الوسوسة عني ولا قدرة لي على مخالفة قدرتك وحكمت بها علي ولا قدر لي على مخالفة حكمك ثم قلت لا يكلف الله نفسا إلا وسعها البقرة 286 وقلت يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر البقرة 185 وقلت وما جعل عليكم في الدين من حرج الحج 78 فمع هذه الأعذار الظاهرة والأسباب القوية كيف يجوز في حكمتك ورحمتك أن تذمني وتلعنني السادس جعلتني مرجوما ملعونا بسبب جرم صدر مني أو لا بسبب جرم صدر مني فإن كان الأول فقد بطل الجبر وإن كان الثاني فهذا محض الظلم وأنت قلت وما الله يريد ظلما للعباد غافر 31 فكيف يليق هذا بك فإن قال قائل هذه الإشكالات إنما تلزم على قول من يقول بالجبر وأنا لا أقول بالجبر ولا بالقدر بل أقول الحق حالة متوسطة بين الجبر والقدر وهو الكسب فنقول هذا ضعيف لأنه إما أن يكون لقدرة العبد أثر في الفعل على سبيل الاستقلال أو لا يكون فإن كان الأول فهو تمام القول بالاعتزال وإن كان الثاني فهو الجبر المحض والسؤالات المذكورة واردة على هذا القول فكيف يعقل حصول الواسطة قال أهل السنة والجماعة أما الإشكالات التي ألزمتموها علينا فهي بأسرها واردة عليكم من وجهين الأول أن قدرة العبد إما أن تكون معينة لأحد الطرفين أو كانت صالحة للطرفين معا فإن كان الأول فالجبر لازم وإن كان الثاني فرجحان أحد الطرفين على الآخر إما أن يتوقف على المرجح أو لا يتوقف فإن كان الأول ففاعل ذلك المرجح إن كان هو العبد عاد التقسيم الأول فيه وإن كان هو الله تعالى فعندما يفعل ذلك المرجح يصير الفعل واجب الوقوع وعندما لا يفعله يصير الفعل ممتنع الوقوع وحينئذ يلزمكم كل ما ذكرتموه وأما الثاني وهو أن يقال إن رجحان أحد الطرفين على الآخر لا يتوقف على مرجح فهذا باطل لوجهين الأول أنه لو جاز ذلك لبطل الاستدلال بترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر على وجود المرجح والثاني أن على هذا التقدير يكون ذلك الرجحان واقعا على سبيل الاتفاق ولا يكون صادرا عن العبد وإذا كان الأمر كذلك فقد عاد الجبر المحض فثبت بهذا البيان أن كل ما أوردتموه علينا فهو وارد عليكم الوجه الثاني في السؤال أنكم سلمتم كونه تعالى عالما بجميع المعلومات ووقوع الشيء على خلاف علمه يقتضي انقلاب علمه جهلا وذلك محال والمفضي إلى المحال محال فكان كل ما أوردتموه علينا في القضاء والقدر لازما عليكم في العلم لزوما لا جواب عنه ثم قال أهل السنة والجماعة قوله أعوذ بالله من الشيطان الرجيم يبطل القول بالقدر من وجوه