فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 6606

الأول أن المطلوب من قولك أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إما أن يكون هو أن يمنع الله الشيطان من عمل الوسوسة منعا بالنهي والتحذير أو على سبيل القهر والجبر أما الأول فقد فعله ولما فعله كان طلبه من الله محالا لأن تحصيل الحاصل محال وأما الثاني فهو غير جائز لأن الإلجاء ينافي كون الشياطين مكلفين وقد ثبت كونهم مكلفين أجابت المعتزلة عنه فقالوا المطلوب بالاستعاذة فعل الألطاف التي تدعو المكلف إلى فعل الحسن وترك القبيح لا يقال فتلك الألطاف فعل الله بأسرها فما الفائدة في الطلب لأنا نقول إن من الألطاف ما لا يحسن فعله إلا عند هذا الدعاء فلو لم يتقدم هذا الدعاء لم يحسن فعله أجاب أهل السنة عن هذا السؤال بأن فعل تلك الألطاف إما أن يكون له أثر في ترجيح جانب الفعل على جانب الترك أو لا أثر فيه فإن كان الأول فعند حصول الترجيح يصير الفعل واجب الوقوع والدليل عليه أن عند حصول رجحان جانب الوجود لو حصل العدم فحينئذ يلزم أن يحصل عند رجحان جانب الوجود رجحان جانب العدم وهو جمع بين النقيضين وهو محال فثبت أن عند حصول الرجحان يحصل الوجوب وذلك يبطل القول بالاعتزال وأما إن لم يحصل بحسب فعل تلك الألطاف رجحان طرف الوجود لم يكن لفعلها البتة أثر فيكون فعلها عبثا محضا وذلك في حق الله تعالى محال الوجه الثاني أن يقال إن الله تعالى إما أن يكون مريدا لصلاح حال العبد أو لا يكون فإن كان الحق هو الأول فالشيطان إما أن يتوقع منه إفساد العبد أو لا يتوقع فإن توقع منه إفساد العبد مع أن الله تعالى مريد إصلاح حال العبد فلم خلقه ولم سلطه على العبد وأما إن كان لا يتوقع من الشيطان إفساد العبد فأي حاجة للعبد إلى الاستعاذة منه وأما إذا قيل إن الله تعالى لا يريد ما هو صلاح حال العبد فالاستعاذة بالله كيف تفيد الاعتصام من شر الشيطان الوجه الثالث أن الشيطان إما أن يكون مجبورا على فعل الشر أو يكون قادرا على فعل الشر والخير معا فإن كان الأول فقد أجبره الله على الشر وذلك يقدح في قولهم إنه تعالى لا يريد إلا الصلاح والخير وإن كان الثاني - وهو أنه قادر على فعل الشر والخير - فهنا يمتنع أن يترجح فعل الخير على فعل الشر إلا بمرجح وذلك المرجح يكون من الله تعالى وإذا كان كذلك فأي فائدة في الاستعاذة الوجه الرابع هب أن البشر إنما وقعوا في المعاصي بسبب وسوسة الشيطان فالشيطان كيف وقع في المعاصي فإن قلنا إنه وقع فيها بوسوسة شيطان آخر لزم التسلسل وإن قلنا وقع الشيطان في المعاصي لا لأجل شيطان آخر فلم لا يجوز مثله في البشر وعلى هذا التقدير فلا فائدة في الاستعاذة من الشيطان وإن قلنا إنه تعالى سلط الشيطان على البشر ولم يسلط على الشيطان شيطانا آخر فهذا حيف على البشر وتخصيص له بمزيد الثقل والإضرار وذلك ينافي كون الإله ريحما ناصرا لعباده الوجه الخامس أن الفعل المستعاذ منه إن كان معلوم الوقوع فهو واجب الوقوع فلا فائدة في الاستعاذة منه وإن كان غير معلوم الوقوع كان ممتنع الوقوع فلا فائدة في الاستعاذة منه واعلم أن هذه المناظرة تدل على أنه لا حقيقة لقوله أعوذ بالله إلا أن ينكشف للعبد أن الكل من الله وبالله وحاصل الكلام فيه ما قاله الرسول أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بعفوك من غضبك

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت