فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 6606

وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك الركن الثاني المستعاذ به واعلم أن هذا ورد في القرآن والأخبار على وجهين أحدهما أن يقال أعوذ بالله والثاني أن يقال أعوذ بكلمات الله أما قوله أعوذ بالله فبيانه إنما يتم بالبحث عن لفظة الله وسيأتي ذلك في تفسير بسم الله وأما قوله أعوذ بكلمات الله التامات فاعلم أن المراد بكلمات الله هو قوله تعالى إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون النحل 40 والمراد من قوله كن نفاذ قدرته في الممكنات وسريان مشيئته في الكائنات بحيث يمتنع أن يعرض له عائق ومانع ولا شك أنه لا تحسن الاستعاذة بالله إلا لكونه موصوفا بتلك القدرة القاهرة والمشيئة النافذة وأيضا فالجسمانيات لا يكون حدوثها إلا على سبيل الحركة والخروج من القوة إلى الفعل يسيرا يسيرا وأما الروحانيات فإنما يحصل تكونها الآن الذي لا ينقسم فلهذه المشابهة سميت نفاذ قدرته بالكلمة وأيضا ثبت في علم المعقولات أن عالم الأرواح مستول على عالم الأجسام وإنما هي المدبرات لأمور هذا العالم كما قال تعالى فالمدبرات أمرا النازعات 5 فقوله

أعوذ بكلمات الله التامات استعاذة من الأرواح البشرية بالأرواح العالية المقدسة الطاهرة الطيبة في دفع شرور الأرواح الخبيثة الظلمانية الكدرة فالمراد بكلمات الله التامات تلك الأرواح العالية الطاهرة ثم ههنا دقيقة وهي أن قوله

أعوذ بكلمات الله التامات إنما يحسن ذكره إذا كان قد بقي في نظره التفات إلى غير الله وأما إذا تغلغل في بحر التوحيد وتوغل في قعر الحقائق وصار بحيث لا يرى في الوجود أحدا إلا الله تعالى لم يستعذ إلا بالله ولم يلتجئ إلا إلى الله ولم يعول إلا على الله فلا جرم يقول أعوذ بالله و أعوذ من الله بالله كما قال عليه السلام

وأعوذ بك منك واعلم أن في هذا المقام يكون العبد مشتغلا أيضا بغير الله لأن الاستعاذة لا بد وأن تكون لطلب أو لهرب وذلك اشتغال بغير الله تعالى فإذا ترقى العبد عن هذا المقام وفني عن نفسه وفني أيضا عن فنائه عن نفسه فههنا يترقى عن مقام قوله أعوذ بالله ويصير مستغرقا في نور قوله بسم الله ألا ترى أنه عليه السلام لما قال

وأعوذ بك منك ترقى عن هذا المقام فقال

أنت كما أثنيت على نفسك الركن الثالث من أركان هذا الباب المستعيذ واعلم أن قوله أعوذ بالله أمر منه لعباده أن يقولوا ذلك وهذا غير مختص بشخص معين فهو أمر على سبيل العموم لأنه تعالى حكى ذلك عن الأنبياء والأولياء وذلك يدل على أن كل مخلوق يجب أن يكون مستعيذا بالله فالأول أنه تعالى حكى عن نوح عليه السلام أنه قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم هود 47 فعند هذا أعطاه الله خلعتين السلام والبركات وهو قوله تعالى قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك هود 48 والثاني حكى عن يوسف عليه السلام أن المرأة لما راودته قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي يوسف 23 فأعطاه الله تعالى خلعتين صرف السوء والفحشاء حيث قال لنصرف عنه السوء والفحشاء يوسف 24 والثالث فخذ أحدنا مكانه يوسف 78 فقال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده يوسف 79 فأكرمه الله تعالى بقوله ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا يوسف 100

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت