فهرس الكتاب

الصفحة 5210 من 6606

إنه مختص بمشركي العرب قال القاضي يجب حمل الآية على الكل من المشبهة والمجبرة وكذلك كل من وصف الله بما لا يليق به نفيًا وإثباتًا فأضاف إليه ما يجب تنزيهه عنه أو نزهه عما يجب أن يضاف إليه فالكل منهم داخلون تحت هذه الآية لأنهم كذبوا على الله فتخصيص الآية بالمجبرة والمشبهة أو اليهود والنصارى لا يجوز واعلم أنا لو أجرينا هذه الآية على عمومها كما ذكره القاضي لزمه تكفير الأمة لأنك لا ترى فرقة من فرق الأمة إلا وقد حصل بينهم اختلاف شديد في صفات الله تعالى ألا ترى أنه حصل الاختلاف بين أبي هاشم وأهل السنة في مسائل كثيرة من صفات الله تعالى ويلزم على قانون قول القاضي تكفير أحدهما فثبت أنه يجب أن يحمل الكذب المذكور في الآية على ما إذا قصد الإخبار عن الشيء مع أنه يعلم أنه كاذب فيما يقول ومثال هذا كفار قريش فإنهم كانوا يصفون تلك الأصنام بالإلاهية مع أنهم كانوا يعلمون بالضرورة أنها جمادات وكانوا يقولون إن الله تعالى حرم البحيرة والسائية والوصيلة والحام مع أنهم كانوا ينكرون القول بأن الله حرم كذا وأباح كذا وكان قائله عالمًا بأنه كذب وإذا كان كذلك فإلحاق مثل هذا الوعيد بهذا الجاهل الكذاب الضال المضل ( يكون ) مناسبًا أما من لم يقصد إلا الحق والصدق لكنه أخطأ يبعد إلحاق هذا الوعيد به

البحث الثاني الكلام في كيفية السواد الحاصل في وجوههم والأقرب أنه سواد مخالف لسائر أنواع السواد وهو سواد يدل على الجهل بالله والكذب على الله وأقول إن الجهل ظلمة والظلمة تتخيل كأنها يواد فسواد قلوبهم أوجب سواد وجوههم وتحت هذا الكلام أسرار عميقة من مباحث أحوال القيامة فلما ذكر الله هذا الوعيد أردفه بالوعد فقال وَيُنَجّى اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ الآية قال القاضي المراد به من اتقى كل الكبائر إذ لا يوصف بالاتقاء المطلق إلا من كان هذا حاله فيقال له أمرك عجيب جدًا فإنك قلت لما تقدم قوله تعالى لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِى لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ( الزمر 57 ) وجب أن يحمل قوله ( ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة على الذين قالوا على الذين قالوا لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِى فعلى هذا القانون لما تقدم قوله وَيَوْمَ الْقِيَامَة ِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّة ٌ

ثم قال تعالى بعده وَيُنَجّى اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ وجب أن يكون المراد هم الذين اتقوا ذلك الكذب فهذا يقتضي أن كل من لم يتصف بذلك الكذب أنته يدخل تحت ذلك الوعد المذكور بقوله وَيُنَجّى اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ وأن يكون قولك الَّذِينَ اتَّقَوْاْ المراد منه من اتقى كل الكبائر فاسدًا فثبت أن التعصب يحمل الرجل العاقل على الكلمات المتناقضة بل الحق أن تقول المتقي هو الآتي باللاتقاء والآتي بالاتقاء في صورة واحدة آت بمسمى الاتقاء وبهذا الحرف قلنا الأمر المطلق لا يفيد التكرار ثم ذلك الاتقاء غير مذكور بعينه في هذه اللفظة فوجب حمله على الاتقاء عن الشيء الذي سبق ذكره وهذا هو الكذب على الله تعالى فثبت أن ظاهر الآية يقتضي أن من اتقى عن تلك الصفة وجب دخوله تحت هذا الوعد الكريم

ثم قال تعالى بِمَفَازَتِهِمْ وفيه مسائل

المسألة الأولى قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم بمفازاتهم على الجمع والباقون بمفازتهم على التوحيد وحكى الواحدي عن الفرّاء أنه قال كلاهما صواب إذ يقال في الكلام قد تبين أمر القوم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت