فهرس الكتاب

الصفحة 5228 من 6606

وأما الجدال في تقرير الباطل فهو مذموم وهو المراد بهذه الآية حيث قال مَا يُجَادِلُ فِى ءايَاتِ اللَّهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وقال مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ( الزخرف 58 ) وقال وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ الْحَقَّ وقال ( صلى الله عليه وسلم ) ( إن جدالًا في القرآن كفر ) فقوله إن جدالًا على لفظ التنكير يدل على التمييز بين جدال لأجل تقريره والذب عنه قال ( صلى الله عليه وسلم ) ( إن جدالًا في القرآن كفر ) وقال ( لا تماروا في القرآن فإن المراء فيه كفر )

المسألة الثانية الجدال في آيات الله هو أن يقال مرة إنه سحر ومرة إنه شعر ومرة إنه قول الكهنة ومرة أساطير الأولين ومرة إنما يعلمه بشر وأشباه هذا مما كانوا يقولون من الشبهات الباطلة فذكر تعالى أنه لا يفعل هذا إلا الذين كفروا وأعرضوا عن الحق

ثم قال تعالى فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِى الْبِلاَدِ أي لا ينبغي أن تغتر بأني أمهلهم وأتركهم سالمين في أبدانهم وأمرالهم يتقلبون في البلاد أي يتصرفون للتجارات وطلب المعاش فإني وإن أمهلتهم فإني سآخذهم وأنتقم منهم كما فعلت بأشكالهم من الأمم الماضية وكانت قريش كذلك يتقلبون في بلاد الشام واليمن ولهم الأموال الكثيرة يتجرون فيها ويربحون ثم كشف عن هذا المعنى فقال كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالاْحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ فذكر من أولئك المكذبين قوم نوح والأحزاب من بعدهم أي الأمم المستمرة على الكفر كقوم عاد وثمود وغيرهم كما قال في سورة ص ( 12 13 ) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الاْوْتَادِ وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ لئَيْكَة ِ أُوْلَئِكَ الاْحْزَابُ وقوله وَهَمَّتْ كُلُّ أَمَلًا بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ أي وعزنت كل أمة من هؤلاء الأحزاب أن يأخذوا رسولهم ليقتلوه ويعذبوه ويحبسوه وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ أي هؤلاء جادلوا رسلهم بالباطل أي بأيراد الشبهات لِيُدْحِضُواْ بِهِ الْحَقَّ أي أن يزيلوا بسبب إيراد تلك الشبهات الحق والصدق فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ أي فأنزلت بهم من الهلاك ما هموا بإنزاله بالرسل وأرادوا أن يأخذوهم فأخذتهم أنا فكيف كان عقابي إياهم أليس كان مهلكًا مستأصلًا مهيبًا في الذكر والسماع فأنا أفعل بقومك كما فعلت بهؤلاء إن أصروا على الكفر والجدال في آيات الله ثم كشف عن هذا المعنى فقال وَكَذالِكَ حَقَّتْ كَلِمَة ُ رَبّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ أي ومثل الذي حق على أولئك الأمم السالفة من العقاب حقت كلمتي أيضًا على هؤلاء الذين كفروا من قومك فهم على شرف نزول العقاب بهم قال صاحب ( الكشفا ) أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ في محل الرفع بدل من قوله وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ أي مثل ذلك الوجوب وجب على الكفرة كونهم من أصحاب النار ومعناه كما وجب إهلاكهم في الدنيا بالعذاب المستأصل كذلك وجب إهلاكهم بعذاب النار في الآخرة أو في محل النصب بحذف لام التعليل وإيصال الفعل واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن قضاء الله بالسعادة والشاقوة لازم لا يمكن تغييره فقالوا إنه تعالى أخبر أنه حقت كلمة العذاب عليهم وذلك يدل على أنهم لا قدرة لهم على الإيمان لأنهم لو تمكنوا منه لتمكنوا من إبطال هذه الكلمة الحقة ولتمكنوا من إبطال علم الله وحكمته ضرورة أن المتمكن من الشيء يجب كونه متمكنًا من كل ما هو من لوازمه ولأنهم لو آمنوا لوجب عليهم أن يؤمنوا بهذه الآية فحينئذ كانوا قد آمنوا بأنهم لا يؤمنون أبدًا وذلك تكليف ما لا يطاق وقرأ نافع وابن عامر حَقَّتْ كَلِمَاتُ رَبَّكَ على الجمع والباقون على الواحد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت