فهرس الكتاب

الصفحة 5227 من 6606

بأنه شديد العقاب ذكر قبله أمرين كل واحد منهما يقتضي زوال العقاب وهو كونه غافر الذنب وقابل التوب وذكر بعده ما يدل على حصول الرحمة العظيمة وهو قوله ذِى الطَّوْلِ فكونه شديد العقاب لما كان مسبوقًا بتينك الصفتين وملحوقًا بهذه الصفة دل ذلك على أن جانب الرحمة والكرم أرجح

البحث الثالث لقائل أن يقول ذكر الواو في قوله غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ ولم يذكرها في قوله شَدِيدُ الْعِقَابِ فما الفرق قلنا إنه لو لم يذكر الواو في قوله غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ لاحتمل أن يقع في خاطر إنسان أنه لا معنى لكونه غافر الذنب إلاة كونه قابل التوب أما لما ذكر الواو زال هذا الاحتمال لأن عطف الشيء على نفسه محال أما كونه شديد العقاب فمعلوم أنه مغاير لكونه غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ فاستغنى به عن ذكر الواو

الصفة الرابعة ذُكِرَ الطَّوْلِ أي ذي التفضل يقال طال علينا طولًا أي تفضل علينا تفضلًا ومن كلامهم طل علي بفضلك ومنه قوله تعالى أُوْلُواْ الطَّوْلِ مِنْهُمْ ( الزمر 86 ) ومضى تفسيره عند قوله وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا ( النساء 25 ) واعلم أنه لم يصف نفسه بكونه شَدِيدُ الْعِقَابِ لا بد وأن يكون المراد بكونه تعالى آتيًا بالعقاب الشديد الذي لا يقبح منه إتيانه به بل لا يجوز وصفه تعالى بكونه آتيًا لفعل القبيح وإذا ثبت هذا فنقول ذكر بعده كونه ذا الطول وهو كونه ذا الفضل فيجب أن يكون معناه كونه ذا الفضل بسبب أن يترك العقاب الذي له أن يفعله لأنه ذكر كونه ذا الطول ولم يبين أنه ذو الطول فيماذا فوجب صرفه إلى كونه ذا الطول في الأمر الذي سبق ذكره وهو فعل العقاب الحسن دفعًا للإجمال وهذا يدل على أنه تعالى قد يترك العقاب الذي حسن منه تعالى فعله وذلك يدل على أن العفو عن أصحاب الكبائر جائز وهو المطلوب

الصفة الخامسة التوحيد المطلق وهو قوله لاَ إله إِلاَّ هُوَ والمعنى أنه وصف نفسه بصفات ارحمة والفضل فلو كان معه إله آخر يشاركه ويساويه في صفة الرحمة والفضل لما كانت الحاجة إلى عبوديته شديدة أما إذا كان واحدًا وليس له شريك ولا شبيه كانت الحاجة إلى الإقرار بعبوديته شديدة فكان الترغيب والترهيب الكاملان يحصلان بسبب هذا التوحيد

الصفة السادسة قوله إِلَيْهِ الْمَصِيرُ وهذه الصفة أيضًا مما يقوى الرغبة في الإقرار بعبوديته لأنه بتقدير أن يكون موصوفًا بصفات الفضل والكرم وكان واحدًا لا شريك له إلا أن القول بالحشر والنشر إن كان باطلًا لم يكن الخوف الشديد حاصلًا من عصيانه أما لما كان القول بالحشر والقيامة حاصلًا كان الخوف أشد والحذر أكمل فلهذا السبب ذكر الله تعالى هذه الالصفات واحتج أهل التشبيه بلفظة إلى وقالوا إنها تفيد انتهاء الغاية والجواب عنه مذكور في مواضع كثيرة من هذا الكتاب

واعلم أنه تعالى لما قرر أن القرآن كتاب أنزله ليهتدى به في الدين ذكر أحوال من يجادل لغرض إبطاله وإخفاء أمره فقال مَا يُجَادِلُ فِى ءايَاتِ اللَّهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وفيه مسائل

المسألة الأولى أن الجدال نوعان جدال في تقرير الحق وجدال في تقرير الباطل أما الجدال في تقرير الحق فهو حرفة الأنبياء عليهم السلام قال تعالى لمحمد ( صلى الله عليه وسلم ) وَجَادِلْهُم بِالَّتِى هِى َ أَحْسَنُ ( النمل 125 ) وقال حكاية عن الكفار أنهم قالوا لنوح عليه السلام يانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا ( هود 32 )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت