فهرس الكتاب

الصفحة 5230 من 6606

وأقول العقل يدل على أن حملة العرش والحافين حول العرش يجب أن يكونوا أفضل الملائكة وذلك لأن نسبة الأرواح إلى الأرواح كنسبة الأجساد إلى الأجساد فلما كان العرش أشرف الموجودات الجسمانية كانت الأرواح المتعلقة بتدبير العرش يجب أن تكون أفضل من الأرواح المدبرة للأجساد وأيضًا يشبه أن يكون هناك أرواح حاملة لجسم العرش ثم يتولد عن تلك الأرواح القاهرة المستعيلة لجسم العرش أرواح أُخر من جنسها وهي متعلقة بأطراف العرش وإليهم الإشارة بقوله وَتَرَى الْمَلَائِكَة َ حَافّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ ( الزمر 75 ) وبالجملة فقد ظهر بالبراهين اليقينية وبالمكاشفات الصادقة أنه لا نسبة لعالم الأجساد إلى عالم الأرواح فكل ما شاهدته بعين البصر في اختلاف مراتب عالم الأجساد فيجب أن تشاهده بعين بصيرتك في اختلاف مراتب عالم الأرواح

المسألة الثانية دلت هذه الآية على أنه سبحانه منزّه عن أن يكون في العرش وذلك لأنه تعالى قال في هذه الآية الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وقال في آية أخرى وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَة ٌ ( الحاقة 17 ) ولا شك أن حامل العرش يكون حاملًا لكل من في العرش فلو كان إلاه العالم في العرش لكان هؤلاء الملائكة حاملين لإلاه العالم فحينئذ يكونون حافظين لإلاه العالم والحافظ القادر أولى بالإلاهية والمحمول المحفوظ أولى بالعبودية فحينئذ ينقلب الإله عبدًا والعبد إلاهًا وذلك فاسد فدل هذا على أن إلاه العرش والأجسام متعال عن العرش والأجسام

واعلم أنه تعالى حكى عن حملة العرش وعن الحافين بالعرش ثلاثة أشياء

النوع الأول قوله يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ ونظيره قوله حكاية عن الملائكة وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ ( البقرة 30 ) وقوله تعالى وَتَرَى الْمَلَائِكَة َ حَافّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ ( الزمر 75 ) فالتسبيح عبارة عن تنزيه الله تعالى عما لا ينبغي والتحميد الاعتراف بأنه هو المنعم على الإطلاق فالتسبيح إشارة إلى الجلال والتحميد إشارة إلى الإكرام فقوله يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ قريب من قوله تَبَارَكَ اسْمُ رَبّكَ ذِى الْجَلَالِ وَالإكْرَامِ ( الرحمن 78 )

النوع الثاني مما حكى الله عن هؤلاء الملائكة هو قوله تعالى وَيُؤْمِنُونَ بِهِ فإن قيل فأي فائدة في قوله وَيُؤْمِنُونَ بِهِ فإن الاشتغال بالتسبيح والتحميد لا يمكن إلا وقد سبق الإيمان بالله قلنا الفائدة فيه ما ذكره صاحب ( الكشاف ) وقد أحسن فيه جدًا فقال إن المقصود منه التنبه على أن الله تعالى لو كان حاضرًا بالعرش لكان حملة العرش والحافون حول العرش يشاهدونه ويعاينونه ولما كان إيمانهم بوجود الله موجبًا للمدح والثناء لأن الإقرار بوجود شيء حاضر مشاهد معاين لا يوجب المدح والثناء ألا ترى أن الإقرار بوجود الشمس وكونها مضيئة لا يوجب المدح والثناء فلما ذكر الله تعالى إيمانهم بالله على سبيل الثناء والمدح والتعظيم علم أنهم آمنوا به بدليل أنهم ما شاهدوه حاضرًا جالسًا هناك ورحم الله صاحب ( الكشاف ) فلو لم يحصل في كتابه إلا هذه النكتة لكفاه فخرًا وشرفًا

النوع الثالث مما حكى الله عن هؤلاء الملائكة قوله تعالى وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ اعلم أنه ثبت أن كمال السعادة مربوط بأمرين التعظيم لأمر الله والشفقة عللى خلق الله ويجب أن يكون التعظيم لأمر الله مقدمًا على الشفقة على خلق الله فقوله يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ مشعر بالتعظيم لأمر الله وقوله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت