فهرس الكتاب

الصفحة 5231 من 6606

وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ مشعر بالشفقة على خلق الله

ثم في الآية مسائل

المسألة الأولى احتج كثير من العلماء بهذه الآية في إثبات أن الملك أفضل من البشر قالوا لأن هذه الآية تدل على أن الملائكة لما فرغوا من ذكر الله بالثناء والتقديس اشتغلوا بالاستغفار لغيرهم وهم المؤمنون وهذا يدل على أنهم مستغنون على الاستغفار لأنفسهم إذ لو كانوا محتاجين إليه لقدموا الاستغفار لأنفسهم على الاستغفار لغيرهم بدليل قوله ( صلى الله عليه وسلم ) ( ابدأ بنفسك ) وأيضًا قال تعالى لمحمد ( صلى الله عليه وسلم ) فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إله إِلائَ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ( محمد 19 ) فأمر محمدًا أن يذكر أولًا الاستغفار لنفسه ثم بعده يذكر الاستغفار لغيره وحكى عن نوح عليه السلام أنه قال رَّبّ اغْفِرْ لِى وَلِوالِدَى َّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِى َ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ( نوح 28 ) وهذا يدل على أن كل من كان محتاجًا إلى الاستغفار فإنه يقدم الاستغفار لنفسه على الاستغفار لغيره فالملائكة لو كانوا محتاجين إلى الاستغفاار لكان اشتغالهم لأنفسهم مقدمًا على اشتغالهم بالاستغفار لغيرهم ولما لم يذكر الله تعالى عنهم استغفارهم لأنفسهم علمنا أن ذلك إنما كان لأنهم ما كانوا محتاجين إلى الاستغفار وأما الأنبياء عليهم السلام فقد كانوا محتاجين إلى استغفار بدليلل قوله تعالى لمحمد عليه السلام وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وإذا ثبت هذا فقد ظهر أن الملك أفضل من البشر والله أعلم

المسألة الثانية احتج الكعبي بهذه الآية على أن تأثير الشفاعة في حصول زيادة الثواب للمؤمنين لا في إسقاط العقاب عن المذنبين قال وذلك لأن الملائكة قالوا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَاتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ قال وليس المراد فاغفر للذين تابوا من الكفر سواء كان مصرًا عللى الفسق أو لم يكن كذلك لأن من هذا حاله لا يوصف بكونه متبعًا سبيل ربه ولا يطلق ذلك فيه وأيضًا إن الملائكة يقولون وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِى وَعَدْتَّهُمْ وهذا لا يليق بالفاسقين لأن خصومنا لا يقطعون على أن الله تعالى وعدهم الجنة وإنما يجوزون ذلك فثبت أن شفاعة الملائكة لا يتناول إلا أهل الطاعة فوجب أن تكون شفاعة الأنبياء كذلك ضرورة أنه لا قائل بالفرق والجواب أن نقول هذه الآية تدل على حصول الشفاعة من الملائكة المذنبين فنبين هذا ثم نجيب عما ذكره الكعبي أما بيان دلالة هذه الآية على ما قلناه فمن وجوه الأول قوله وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ والاستغفار طلب المغفرة والمغفرة لا تذكر إلا في إسقاط العقاب أما طلب النفع الزائد فإنه لا يسمى استغفارًا الثاني قوله تعالى وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ وهذا يدل على أنهم يستغفرون لكل أهل الإيمان فإذا دلنا على أن صاحب الكبيرة مؤمن وجب دخوله تحت هذه الشفاعة الثالث قوله تعالى فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ طلب المغفرة للذين تابوا ولا يجوز أن يكون المراد إسقاط عقوبة الكبيرة بعد التوبة لأن ذلك واجب على الله عند الخصم وما كان فعله واجبًا كان طلبه بالدعاء قبيحًا ولا يجوز أيضًا أن يكون المراد إسقاط عقوبة الصغائر لأن ذلك أيضًا واجب فلا يحسن طلبه بالدعاء ولا يجوز أن يكون المراد طلب زيادة منفعة على الثواب لأن ذلك لا يسمى مغفرة فثبت أنه لا يمكن حممل قوله فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ إلا على إسقاط عقاب الكبيرة قبل التوبة وإذا ثبت هذا في حق الملائكة فكذلك في حق الأنبياء لانعقاد الإجماع على أنه لا فرق أما الذي يتمسك به الكعبي وهو أنهم طلبوا المغفرة للذين تابوا فنقول يجب أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت