فهرس الكتاب

الصفحة 5233 من 6606

المسألة الثانية السنة في الدعاء يبدأ في بالثناء على الله تعالى ثم يذكر الدعاء عقيبه والدليل عليه هذه الآية فإن الملائكة لما عزموا على الدعاء والاستغفار للمؤمنين بدأوا بالثناء فقالوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَى ْء رَّحْمَة ً وَعِلْمًا وأيضًا أن الخليل عليه السلام لما أراد أن يذكر الدعاء ذكر الثناء أولًا فقال الَّذِى خَلَقَنِى فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِى هُوَ يُطْعِمُنِى وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وَالَّذِى يُمِيتُنِى ثُمَّ يُحْيِينِ وَالَّذِى أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى يَوْمَ الدِينِ ( الشعراء 78 82 ) فكل هذا ثناء على الله تعالى ثم بعده ذكر الدعاء فقال رَبّ هَبْ لِى حُكْمًا وَأَلْحِقْنِى بِالصَّالِحِينَ ( الشعراء 83 )

واعلم أن العقل يدل أيضًا على رعاية هذا الترتيب وذلك ذكر الله بالثناء والتعظيم بالنسبة إلى جوهر الروح كالإكسير الأعظم بالنسبة إلى النحاس فكما أن ذرة من الإكسير إذا وقعت على عالم من النحاس انقلب الكل ذهبًا إبريزًا فكذلك إذا وقعت ذرة من إكسير معرفة جلال الله تعالى على جوهر الروح النطقية انقلب من ننحوسة النحاسة إلى صفاء القدس وبقاء عالم الطهارة فثبت أن عند إشراق نور معرفة الله تعالى في جواهر الروح يصير الروح أقوى صفاء وأكمل إشراقًا ومتى صار كذلك كانت قوته أقوى وتأثيره أكمل فكان حصول الشيء المطلوب أقرب وأكمل وهذا هو السبب في تقديم الثناء على الله على الدعاء

المسألة الثالثة اعلم أن الملائكة وصفوا الله تعالى بثلاثة أنواع من الصفات الربوبية والرحمة والعلم أما الربوبية فهي إشارة إلى الإيجاد والإبداع وفيه لطيفة أخرى وهي أن قولهم رَبَّنَا إشارة إلى التربية والتربية عبارة عن إبقاء الشيء على أكل أحواله وأحسن صفاته وهذا يدل على أن هذه الممكنات كما أنها محتاجة حال حدوثها إلى إحداث الحق سبحانه وتعالى وإيجاده فكذلك إنها محتاجة حال بقائها إلى إبقاء الله وأما الرحمة فهي إشارة إلى أن جانب الخير والرحمة والإحسان راجح على جانب الضر وأنه تعالى إنما خلق الخلق للرحمة والخير لا للاضرار والشر فإن قيل قوله رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَى ْء رَّحْمَة ً وَعِلْمًا فيه سؤال لأن العلم وسع كل شيء أما الرحمة فما وصلت إلى كل شيء لأن المضرور حال وقوعه في الضر لا يكون ذلك الضرر رحمة وهذا السؤال أيضًا مذكور في قوله وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَى ْء ( الأعراف 156 ) قلنا كل وجود فقد ننال من رحمة الله تعالى نصيبًا وذلك لأن الموجود إما واجب وإما ممكن أما الواجب فليس إلا الله سبحانه وتعالى وأما الممكن فوجوده من الله تعالى وبإيجاده وذلك رحمة فثبت أنه لا موجود غير الله إلا وقد وصل إليه نصيب ونصاب من رحمة الله فلهذا قال رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَى ْء رَّحْمَة ً وَعِلْمًا وفي الآية دقيقة أخرى وهي أن الملائكة قدموا ذكر الرحمة على ذكر العلم فقالوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَى ْء رَّحْمَة ً وَعِلْمًا وذلك لأن مطلوبهم إيصال الرحمة وأن يتجاوز عما عليه منهم من أنواع الذنوب فالمطلوب بالذات هو الرحمة والمطلوب بالعرض أن يتجاوز عما علمه منهم والمطلوب بالذات مقدم على

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت