فهرس الكتاب
المطلوب بالعرض ألا ترى أنه لما كان إبقاء الصحة مطلوبًا بالذات وإزالة المرض مطلوبًا بالعرض لا جرم لما ذكروا حد الطب قدموا فيه حفظ الصحة على إزالة المرض فقالوا الطب علم يتعرف منه أحوال بدن الإنسان من جهة ما يصلح ويزول عن الصحة لتحفظ الصحة حاصلة وتسترد زائلة فكذا ههنا المطلوب بالذات هو الرحمة وأما التجاوز عما علمه منهم من أنواع الذنوب فهو مطلوب بالعرض لأجل أن حصول الرحمة على سبيل الكمال لا يحصل إلا بالتجاوز عن الذنوب فلهذا السبب وقع ذكر الرحمة سابقًا على ذكر العلم
المسألة الرابعة دلت هذه الآية على أن المقصود بالقصة الأولى في الخلق والتكوين إنما هو الرحمة والفضل والجود والكرم ودلت الدلائل اليقينية على أن كل ما دخل في الوجود من أنواع الخير والشر والسعادة والشقاوة فبقضاء الله وقدره والجمع بين هذين الأصلين في غاية اللصعوبة فعند هذا قالت الحكماء الخير مراد مرضي والشر مراد مكروه والخير مقضي به بالذات والشر مقضي به باللعرض وفيه غور عظيم
المسألة الخامسة قوله وَسِعْتَ كُلَّ شَى ْء رَّحْمَة ً وَعِلْمًا يدل على كونه سبحانه عالمًا بجميع المعلومات التي لا نهاية لها من الكليات والجزئيات وأيضًا فلولا ذلك لم يكن في الدعاء والتضرع فائدة لأنه إذا جاز أن يخرج عن علمه بعض الأشياء فعلى هذا التقدير لا يعرف هذا الداعي أن الله سبحانه يعلمه ويعلم دعاءه وعلى هذا التقدير لا يبقى في الدعاء فائدة ألبتة
واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم كيفية ثنائهم على الله تعالى حكى عنهم كيفية دعائهم وهو أنهم قالوا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَاتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ واعلم أن الملائكة طلبوا بالدعاء من الله تعالى أشياء كثيرة للمؤمنين فالمطلوب الأول الغفران وقد سبق تفسيره في قوله فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَاتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ فإن قيل لا معنى للغفران إلا إسقاط العذاب وعلى هذا التقدير فلا فرق بين قوله فاغفر لهم وبين قوله وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ قلنا دلالة لفظ المغفرة على إسقاط عذاب الجحيم دلالة حاصلة على الرمز والإشارة فلما ذكروا هذا الدعاء على سبيل الرمز والإشارة أردفوه بذكره على سبيل التصريح لأجل التأكيد والمبالغة واعلم أنهم لما طلبوا من الله إزالة العذاب عنهم أردفوه بأن طلبوا من الله إيصال الثواب إليهم فقالوا رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِى وَعَدْتَّهُمْ فإن قيلل أنتم زعمتم أن هذه الشفاعة إنما حصلت للمذنبين وهذه الآية تبطل ذلك لأنه تعالى ما وعد المذنبين بأن يدخلهم في جنّات عدن قلنا لا نسلم أنه ما وعدهم بذلك لأنا بينا أن الدلائل الكثيرة في القرآن دلّت على أنه تعالى لا يخلد أهل لا إلاه إلا الله محمد رسول الله في النار وإذا أخرجهم من النار وجب أن يدخلهم الجنة فكان هذا وعدًا من الله تعالى لهم بأن يدخلهم في جنّات عدن إما من غير دخول النار وإما بعد أن يدخلهم النار قال تعالى وَمَنْ صَلَحَ مِنْ ءابَائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرّيَّاتِهِمْ يعني وأدخل معهم في الجنة هؤلاء الطوائف الثلاث وهم الصالحون من الآباء والأزواج والذريا وذلك لأن الرجل إذا حضر معه في وضع عيشه وسروره أهله وعشيرته كان ابتهاجه أكمل قال الفرّاء والزجاج مِنْ صَالِحٌ نصب من مكانين فإن شئت رددته على الضمير في قوله وَأَدْخِلْهُمْ وإن شئت في وَعَدْتَّهُمْ والمراد من قوله وَمَنْ صَلَحَ أهل الإيمان ثم قالوا إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ وإنما ذكروا في دعائهم هذين الوصفين لأنه للو لم يكن عزيزًا بل كان بحيث يغلب ويمنع لما