فهرس الكتاب

الصفحة 5240 من 6606

لأنه واجب الوجود لذاته وما سواه ممكن ومحتاج إليه وأما في دوام الوجود فهو أرفع الموجودات لأنه واجب الوجود لذاته وهو الأزلي والأبدي والسرمدي الذي هو أول لكل ما سواه وليس له أول وآخر لكل ما سواه وليس له آخر أما في العلم فلأنه هو العالم بجميع الذوات والصفات والكليات والجزئيات كما قال وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ ( الأنعام 59 ) وأما في القدرة فهو أعلى القادرين وأرفعهم لأنه في وجوده وجميع كمالات وجوده غني عن كل ما سواه وكل ما سواه فإنه محتاج في وجوده وفي جميع كمالات وجوده إليه وأما في الوحدانية فهو الواحد الذي يمتنع أن يحصل له ضد وند وشريك ونظير وأقول الحق سبحانه له صفتان أحدهما استغناؤه في وجوده وفي جميع صفات وجوده عن كل ما سواه الثاني افتقار كل ما سواه إليه في وجوده وفي صفات وجوده فالرفيع إن فسرناه بالمرتفع كان معناه أنه أرفع الموجودات وأعلاها في جميع صفات الجلال والإكرام وإن فسرناه بالرافع كان معناه أن كل درجة وفضيلة ورحمة ومنقبة حصلت لشيء سواه فإنما حصلت بإيجاده وتكوينه وفضله ورحمته

الصفة الثانية قوله ذُو الْعَرْشِ ومعناه أنه مالك العرش ومدبره وخالقه واحتج بعض الأغمار من المشابهة بقوله رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ وحملوه على أن المراد بالدرجات السموات وبقوله ذُو الْعَرْشِ أنه موجود في العرش فوق سبع سموات وقد ى عظموا الفرية على الله تعالى فأنا بينا بالدلائل القاهرة العقلية أن كونه تعالى جسمًا وفي جهة محال وأيضًا فظاهر اللفظ لا يدل على ما قالوه لأن قوله ذُو الْعَرْشِ لا يفيد إلا إضافته إلى العرش ويكفي في إضافته إليه بكونه مالكًا له ومخرجًا له من العدم إلى الوجود فأي ضرورة تدعونا إلى الذهاب إلى القول الباطل والمذهب الفاسد والفائدة في تخصيص العرش بالذكر هو أنه أعظم الأجسام والمقصود بيان كمال إلهيته ونفاذ قدرته فكل ما كان محل التصرف والتدبير أعظم كانت دلالته على كمال القدرة أقوى

الصفة الثانية قوله يُلْقِى الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وفيه مباحث

البحث الأول اختلفوا في المراد بهذا الروح والصحيح أن المراد هو الوحي وقد أطنبنا في بيان أنه لم سمي الوحي بالروح في أول سورة النحل في تفسير قوله يُنَزّلُ الْمَلَائِكَة َ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ ( النحل 2 ) وقال أيضًا أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ ( الانعام 122 ) وحاصل الكلام فيه أن حياة الأرواح بالمعارف الإلهية والجلايا القدسية فإذا كان الوحي سببًا لحصول هذه الأرواح سمي بالروح فإن الروح سبب لحصول الحياة والوحي سبب لحصول هذه الحياة الروحانية

واعلم أن هذه الآية مشتملة على أسرار عجيبة من علوم المكاشفات وذلك لأن كمال كبرياء الله تعالى لا تصل إليه العقول والأفهام فالطريق الكامل في تعريفه بقدر الطاقة البشرية أن يذكر ذلك الكلام على الوجه الكلي العقلي ثم يذكر عقيبه شيء من المحسوسات المؤكدة لذلك المعنى العقلي ليصير الحصر بهذا الطريق معاضدًا للعقل فههنا أيضًا كذلك فقوله رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ إما أن يكون بمعنى كونه رافعًا للدرجات وهو إشارة إلى تأثير قدرة الله تعالى في إيجاد الممكنات على احتلاف درجاتها وتباين منازلها وصفاتها أو إلى كونه تعالى مرتفعًا في صفات الجلال ونعوت العزة عن كل الموجودات فهذا الكلام عقلي برهاني ثم إنه سبحانه بين هذا الكلام الكلي بمزيد تقرير وذلك لأن ما سوى الله تعالى إما جسمانيات وءما

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت