فهرس الكتاب

الصفحة 5239 من 6606

هُوَ الَّذِى يُرِيكُمْ ءَايَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السَّمَآءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَن يُنِيبُ فَادْعُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ

اعلم أنه تعالى لما ذكر ما يوجب التهديد الشديد في حق المشركين أردفه بذكر ما يدل على كمال قدرته وحكمته ليصير ذلك دليلًا على أنه يجوز جعل هذه الأحجار المنحوتة والخشب المصورة شركاء لله تعالى في المعبودية فقال هُوَ الَّذِى يُرِيكُمْ ءايَاتِهِ واعلم أن أهم المهمات رعاية مصالح الأديان ومصالح الأبدان فهو سبحانه وتعالى راعى مصالح أديان العباد بإظهار البينات والآيات وراعى مصالح أبدانهم بإنزال الرزق من السماء فموقع الآيات من الأديان كموقع الأرزاق من الأبدان فالآيات لحياة الأديان والأرزاق لحياة الأبدان وعند حصولهما يحصل الإنعام على أقوى الاعتبارات وأكمل الجهات

ثم قال وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَن يُنِيبُ والمعنى أن الوقوف على دلائل توحيد الله تعالى كالأمر المركوز في العقل إلا أن القول بالشرك والاشتغال بعبادة غير الله يصير كالمانع من تجلي تلك الأنوار فإذا أعرض العبد عنها وأناب إلى الله تعالى زال الغطاء والوطاء فظهر الفوز التام ولما قرر هذا المعنى صرح بالمطلوب وهو الإعراض عن غير الله والإقبال بالكلية على الله تعالى فقال فَادْعُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ من الشرك ومن الإلتفات إلى غير الله وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ قرأ ابن كثير ينزل خفيفة والباقون بالتشديد

رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِى الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلاَقِ يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لاَ يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَى ْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لاَ ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ

اعلم أنه تعالى لما ذكر من صفات كبريائه وإكرامه كونه مظهرًا للآيات منزلًا للأرزاق ذكر في هذه الآية ثلاثة أخرى من صفات الجلال والعظمة وهو قوله رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِى الرُّوحَ قال صاحب ( الكشاف ) ثلاثة أخبار لقوله هُوَ مرتبة على قوله الَّذِى يُرِيكُمُ ( غافر 13 ) أو أخبار مبتدأ محذوف وهي مختلفة تعريفًا وتنكيرًا قرىء رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ بالنصب على المدح وأقول لا بد من تفسير هذه الصفات الثلاثة

الصفة الأولى قوله رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ واعلم أن الرفيع يحتمل أن يكون المراد منه الرافع وأن يكون المراد منه المرتفع أما إذا حملناه على الأول ففيه وجوه الوجه الأول أنه تعالى يرفع درجات الأنبياء والأولياء درجة معينة كما قال وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ ( الصافات 164 ) وعين لكل واحد من العلماء درجة معينة فقال يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ ءامَنُواْ مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ( المجادلة 11 ) وعين لكل جسم درجة معينة فجعل بعضها سفلية عنصرية وبعضها فلكية كوكبية وبعضها من جواهر العرش والكرسي فجعل لبعضها درجة أعلى من درجة الثاني وأيضًا جعل لكل واحد مرتبة معينة في الخلق والرزق والأجل فقال وَهُوَ الَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الاْرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ ( الأنعام 165 ) وجعل لكل أحد من السعداء والأشقياء في الدنيا درجة معينة من موجبات السعادة وموجبات الشقاوة وفي الآخرة آثار لظهور تلك السعادة والشقاء فإذا حملنا الرفيع على الرفع كان معناه ما ذكرناه وأما إذا حملناه على المرتفع فهو سبحانه أرفع الموجودات في جميع صفات الكمال والجلال أما في الأصل الوجود فهو أرفع الموجودات

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت