فهرس الكتاب
وَقَالَ الَّذِى ءَامَنَ ياقَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ ياقَوْمِ إِنَّمَا هَاذِهِ الْحَيَواة ُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الاٌّ خِرَة َ هِى َ دَارُ الْقَرَارِ مَنْ عَمِلَ سَيِّئَة ً فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَائِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّة َ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ وَياقَوْمِ مَا لِى أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَواة ِ وَتَدْعُونَنِى إِلَى النَّارِ تَدْعُونَنِى لاّكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِى بِهِ عِلْمٌ وَأَنَاْ أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ لاَ جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِى إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَة ٌ فِى الدُّنْيَا وَلاَ فِى الاٌّ خِرَة ِ وَأَنَّ مَرَدَّنَآ إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِى إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ
اعلم أن هذا من بقية كلام الذي آمن من آل فرعون وقد كان يدعوهم إلى الإيمان بموسى والتمسك بطريقته واعلم أنه نادى في قومه ثلاث مرات في المرة الأولى دعاهم إلى قبول ذلك الدين على سبيل الإجمال وفي المرتين الباقيتين على سبيل التفصيل
أما الإجمال فهو قوله ءامَنَ ياقَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ وليس المراد بقوله اتَّبِعُونِ طريقة التقليد لأنه قال بعده أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ والهدى هو الدلالة ومن بين الأدلة للغير يوصف بأنه هداه وسبيل الرشاد هو سبيل الثواب والخير وما يؤدي إليه لأن الرشاد نقيض الغي وفيه تصريح بأن ما عليه فرعون وقومه هو سبيل الغي
وأما التفصيل فهو أنه بين حقارة حال الدينا وكمال حال الآخرة أما حقارة الدنيا فهي قوله سَبِيلَ الرَّشَادِ ياقَوْمِ إِنَّمَا هَاذِهِ الْحَيَواة ُ الدُّنْيَا والمعنى أنه يستمتع بهذه الحياة الدنيا في أيام قليلة ثم تنقطع وتزول وأما الآخرة فهي دار القرار والبقاء والدوام وحاصل الكلام أن الآخرة باقية دائمة والدنيا منقضية منقرضة والدائم خير من المنقضي وقال بعض العارفين لو كانت الدينا ذهبًا فانيًا والآخرة خزفًا باقيًا لكانت الآخرة خيرًا من الدنيا فكيف والدنيا خزف فان والآخرة ذهب باق
واعلم أن الآخرة كما أن النعيم فيها دائم فكذلك العذاب فيها دائم وإن الترغيب في النعيم الدائم والترهيب عن العذاب الدائم من أقوى وجوه الترغيب والترهيب ثم بين كيف تحصل المجازاة في الآخرة وأشار فيه إلى أن جانب الرحمة غالب على جانب العقاب فقال مَنْ عَمِلَ سَيّئَة ً فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا والمراد بالمثل ما يقابلها في الاستحقاق فإن قيل كيف يصح هذا الكلام مع أن كفر ساعة يوجب عقاب الأبد قلنا إن الكافر يعتقد في كفره كونه طاعة وإيمانًا فلهذا السبب يكون الكافر على عزم أن يبقى مصرًا على ذلك الاعتقاد أبدًا فلا جرم كان عقابه مؤبدًا بخلاف الفاسق فإنه يعتقد فيه كونه خيانة ومعصية فيكون على عزم