فهرس الكتاب

الصفحة 5262 من 6606

أن لا يبقى مصرًا عليه فلا جرم قلنا أن عقاب الفاسق منقطع أما الذي يقوله المعتزلة من أن عقابه مؤبد فهو باطل لأن مدة تلك المعصية منقطعة والعزم على الإتيان بها أيضًا ليس دائمًا بل منقطعًا فمقابلته بعقاب دائم يكون على خلاف قوله مَنْ عَمِلَ سَيّئَة ً فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا واعلم أن هذه الآية أصل كبير في علوم الشريعة فيما يتعلق بأحكام الجنايات فإآنها تقتضي أن يكون المثل مشروعًا وأن يكون الزائد على المثل غير مشروع ثم نقول ليس في الآية بيان أن تلك المماثلة معتبرة في أي الأمور فلو حملناه على رعاية المماثلة في شيء معين مع أن ذلك المعين غير مذكور في الآية صارت الآية مجملة ولو حملناه على رعاية المماثلة في جميع الأمور صارت الآية عامًا مخصوصًا وقد ثبت في أصول الفقه أن التعارض إذا وقع بين الإجمال وبين التخصيص كان دفع الإجمال أولى فوجب أن تحمل هذه الآية على رعاية المماثلة من كل الوجوه إلا في مواضع التخصيص وإذا ثبت هذا فالأحكام الكثيرة في باب الجنايات على النفوس وعلى الأعضاء وعلى الأموال يمكن تفريعها على هذه الآية

ثم نقول إنه تعالى لما بيّن أن جزاء السيئة مقصور على المثل بين أن جزاء الحسنة غير مقصور على المثل بل هو خارج عن الحساب فقال وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّة َ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ واحتج أصحابنا بهذه الآية فقالوا قوله وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا نكرة في معرض الشرط في جانب الإثبات فجرى مجرى أن يقال من ذكر كلمة أو من خطا خطوة فله كذا فإنه يدخل فيه كل من أتى بتلك الكلمة أو بتلك الخطوة مرة واحدة فكذلك ههنا وجب أن يقال كل من عمل صالحًا واحدًا من الصالحات فإنه يدخل الجنة ويرزق فيها بغير حساب والآتي بالإيمان والمواظب على التوحيد والتقديس مدة ثمانين سنة قد أتى بأعظم الصالحات وبأحسن الطاعات فوجب أن يدخل الجنة والخصم يقول إنه يبقى مخلدًا في النار أبد الآباد فكان ذلك على خلاف هذا النص الصريح قالت المعتزلة إنه تعالى شرط فيه كونه مؤمنًا وصاحب الكبيرة عندنا ليس بمؤمن فلا يدخل في هذا الوعد والجواب أنا بينا في أول سورة البقرة في تفسير قوله تعالى الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ( البقرة 3 ) أن صاحب الكبيرة مؤمن فسقط هذا الكلام واختلفوا في تفسير قوله يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ فمنهم من قال لما كان لا نهاية لذلك الثواب قيل بغير حساب وقال الآخرون لأنه تعالى يعطيهم ثواب أعمالهم ويضم إلى ذلك الثواب من أقسام التفضل ما يخرج عن الحساب وقوله بِغَيْرِ حِسَابٍ واقع في مقابلة إِلاَّ مِثْلَهَا يعني أن جزاء السيئة له حساب وتقدير لئلا يزيد على الاستحقاق فأما جزاء العمل الصالح فبغير تقدير وحساب بل ما شئت من الزيادة على الحق والكثرة والسعة وأقول هذا يدل على أن جانب الرحمة والفضل راجح على جانب القهر والعقاب فإذا عارضنا عمومات الوعد بعمومات الوعيد وجب أن يكون الترجيح بجانب عمومات الوعد وذلك يهدم قواعد المعتزلة ثم استأنف ذلك المؤمن ونادى في المرة الثالثة وقال فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ وَياقَوْمِ مَا لِى أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَواة ِ يعني أنا أدعوكم إلى الإيمان الذي يوجب النجاة وتدعونني إلى الكفر الذي يوجب النار فإن قيل لم كرر نداء قومه ولم جاء بالواو في النداء الثالث دون الثاني قلنا أما تكرير النداء ففيه زيادة تنبيه لهم وإيقاظ من سنة الغفلة وإظهار أن له بهذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت