فهرس الكتاب
المهم مزيد اهتمام وعلى أولئك الأقوام فرط شفقة وأما المجيء بالواو العاطفة فلأن الثاني يقرب من أن يكون عين الأول لأن الثاني بيان للأول والبيان عين المبين وأما الثالث فلأنه كلام مباين للأول والثاني فحسن إيراد الواو العاطفة فيه ولما ذكر هذا المؤمن أنه يدعوهم إلى النجاة وهم يدعونه إلى النار فسّر ذلك بأنهم يدعونه إلى الكفر بالله وإلى الشرك به أما الكفر بالله فلأن الأكثرين من قوم فرعون كانوا ينكرون وجود الإله ومنهم من كان يقر بوجود الله إلا أنه كان يثبت عبادة الأصنام وقوله تعالى وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِى بِهِ عِلْمٌ المراد بنفي العلم نفي المعلوم كأنه قال وأشرك به ما ليس بإله وما ليس بإله كيف يعقل جعله شريكًا للإله ولما بيّن أنهم يدعونه إلى الكفر والشرك بيّن أنه يدعوهم إلى الإيمان بالعزيز الغفار فقوله الْعَزِيزُ إشارة إلى كونه كامل القدرة وفيه تنبيه على أن الإله هو الذي يكون كامل القدرة وأما فرعون فهو في غاية العجز فكيف يكون إلهًا وأما الأصنام فإنها أحجار منحوتة فكيف يعقل القول بكونها آلهة وقوله الْغَفَّارُ إشارة إلى أنه لا يجب أن يكونوا آيسين من رحمة الله بسبب إصرارهم على الكفر مدة مديدة فإن إله العالم وإن كان عزيزًا لا يغلب قادرًا لا يغالب لكنه غفار يغفر كفر سبعين سنة بإيمان ساعة واحدة ثم قال ذلك المؤمن لاَ جَرَمَ والكلام في تفسير لا جرم مرّ في سورة هود في قوله لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى الاْخِرَة ِ هُمُ الاْخْسَرُونَ ( هود 22 ) وقد أعاده صاحب ( الكشاف ) ههنا فقال لاَ جَرَمَ مساقه على مذهب البصريين أن يجعل ( لا ) ردًا لما دعاه إليه قومه و جَرَمَ فعل بمعنى حق و إِنَّمَا مع ما في حيزه فاعله أي حق ووجب بطلان دعوته أو بمعنى كسب من قوله تعالى وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ ( المائدة 2 ) أي كسب ذلك الدعاء إليه بطلان دعوته بمعنى أنه ما حصل من ذلك إلا ظهور بطلان دعوته ويجوز أن يقال إن لاَ جَرَمَ نظيره لا بد فعل من الجرم وهو القطع كما أن بد فعل من التبديد وهو التفريق وكما أن معنى لا بد أنك تفعل كذا أنه لا بد لك من فعله فكذلك لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ الْنَّارَ ( النحل 62 ) أي لا قطع لذلك بمعنى أنهم أبدًا يستحقون النار لا انقطاع لاستحقاقهم ولا قطع لبطلان دعوة الأصنام أي لا تزال باطلة لا ينقطع ذلك فينقل حقًا وروي عن بعض العرب لا جرم أنه يفعل بضم الجيم وسكون الراء بزنة بد وفعل إخوان كرشد ورشد وكعدم وعدم هذا كله ألفاظ صاحب ( الكشاف )
ثم قال أَنَّمَا تَدْعُونَنِى إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَة ٌ فِى الدُّنْيَا وَلاَ فِى الاْخِرَة ِ والمراد أن الأوثان التي تدعونني إلى عبادتها ليس لها دعوة في الدنيا ولا في الآخرة وفي تفسير هذه الدعوة احتمالان
الأول أن المعنى ما تدعونني إلى عبادته ليس له دعوة إلى نفسه لأنه جمادات والجمادات لا تدعو أحدًا إلى عبادة نفسها وقوله فِى الاْخِرَة ِ يعني أنه تعالى إذا قلبها حيوانًا في الآخرة فإنها تتبرأ من هؤلاء العابدين
والاحتمال الثاني أن يكون قوله لَيْسَ لَهُ دَعْوَة ٌ فِى الدُّنْيَا وَلاَ فِى الاْخِرَة ِ معناه ليس له استجابة دعوة في الدنيا ولا في الآخرة فسميت استجابة الدعوة بالدعوة إطلاقًا لاسم أحد المتضايقين على الآخر كقوله وَجَزَاء سَيّئَة ٍ سَيّئَة ٌ مّثْلُهَا ( الشورى 40 ) ثم قال وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ فبين أن هذه الأصنام لا فائدة فيها ألبتة ومع ذلك