فهرس الكتاب

الصفحة 5386 من 6606

تعالى أن صممهم وعماهم إنما كان بسبب كونهم في ضلال مبين

ولما بيّن تعالى أن دعوته لا تؤثر في قلوبهم قال فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ يريد حصول الموت قبل نزول النقمة بهم فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ بعدك أو نرينك في حياتك ما وعدناهم من الذل والقتل فإنا مقتدرون على ذلك واعلم أن هذا الكلام يفيد كمال التسلية للرسول عليه السلام لأنه تعالى بيّن أنهم لا تؤثر فيهم دعوته واليأس إحدى الراحتين ثم بيّن أنه لا بد وأن ينتقم لأجله متهم إما حال حياته أو بعد وفاته وذلك أيضًا يوجب التسلية فبعد هذا أمره أن يستمسك بما أمره تعالى فقال فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِى أُوحِى َ إِلَيْكَ بأن تعتقد أنه حق وبأن تعمل بموجبه فإنه الصراط المستقيم الذي لا يميل عنه إلا ضال في الدين

ولما بيّن تأثير التمسك بهذا الدين فيمنافع الدين بيّن أيضًا تأثيره في منافع الدنيا فقال وَأَنَّهُ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ أي إنه يوجب الشرف العظيم لك ولقولنك حيث يقال إن هذا الكتاب العظيم أنزله الله على رجل من قوم هؤلاء واعلم أن هذه الآية تدل على أن الإنسان لا بد وأن يكون عظيم الرغبة في الثناء الحسن والذكر الجميل ولو لم يكن الذكر الجميل أمرًا مرغوبًا فيه لما منَّ الله به على محمد ( صلى الله عليه وسلم ) حيث قال وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ولما طلبه إبراهيم عليه السلام حيث قال وَاجْعَل لّى لِسَانَ صِدْقٍ فِى الاْخِرِينَ ( الشعراء 84 ) ولأن الذكر الجميل قائم مقام الحياة الشريفة بل الذكر أفضل من الحياة لأن أثر الحياة لا يحصل إلا في مسكن ذلك الحي أما أثر الذكر الجميل فإنه يحصل في كل مكان وفي كل زمان

ثم قال تعالى وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ وفيه وجوه الأول قال الكلبي تسألون هل أديتم شكر إنعامنا عليكم بهذا الذكر الجميل الثاني قال مقاتل المراد أن من كذب به يسأل لم كذبه فيسأل سؤال توبيخ الثالث تسألون هل عملتم بما دل عليه من التكاليف واعلم أن السبب الأقوى في إنكار الكفار لرسالة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ولبغضهم له أنه كان ينكر عبادة الأصنام فبيّن تعالى أن إنكار عبادة الأصنام ليس من خواص دين محمد ( صلى الله عليه وسلم ) بل كل الأنبياء والرسل كانوا مطبقين على إنكاره فقال وَاسْئلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ ءالِهَة ً يُعْبَدُونَ وفيه أقوال الأول معناه واسأل مؤمني أهل الكتاب أي أهل التوراة والإنجيل فإنهم سيخبرونك أنه لم يرد في دين أحد من الأنبياء عبادة الأصنام وإذا كان هذا الأمر متفقًا عليه بين كل الأنبياء والرسل وجب أن لا يجعلوه سببًا لبغض محمد ( صلى الله عليه وسلم )

والقول الثاني قال عطاء عن ابن عباس ( لما أسرى به( صلى الله عليه وسلم ) إلى المسجد الأقصى بعث الله له آدم وجميع المرسلين من ولده فأذن جبريل ثم أقام فقال يا محمد تقدم فصل بهم فلما فرغ رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من الصلاة قال له جبريل عليه السلام واسأل يا محمد من أرسلنا من قبلك من رسلنا الآية فقال ( صلى الله عليه وسلم ) لا أسأل لأني لست شاكًا فيه )

والقول الثلث أن ذكر السؤال في موضع لا يمكن السؤال فيه يكون المراد منه النظر والاستدلال كقول من قال سل الأرض من شق أنهارك وغرس أشجارك وجنى ثمارك فإنها إن لم تجبك جوابًا أجابتك اعتبارًا فههنا سؤال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) عن الأنبياء الذين كانوا قبله ممتنع فكان المراد منه انظر في هذه المسألة بعقلك وتدبر فيها بفهمك والله أعلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت