فهرس الكتاب
مقابلة نعم الله تعالى تكون في غاية الصغر ولولا أن الله يقبلها لكانت هباء لكن السيئة من العبد الذي أنعم الله عليه بأنواع النعم كبيرة ولولا فضل الله لكان الاشتغال بالأكل والشرب والإعراض عن عبادته سيئة ولكن الله غفر بعض السيئات وخفف بعضها
المسألة الثالثة إذا ذكر الكبائر فما الفواحش بعدها نقول الكبائر إشارة إلى ما فيها من مقدار السيئة والفواحش إشارة إلى ما فيها من وصف القبح كأنه قال عظيمة المقادير قبيحة الصور والفاحش في اللغة مختص بالقبيح الخارج قبحه عن حد الخفاء وتركيب الحروف في التقاليب يدل عليه فإنك إذا قلبتها وقلت حشف كان فيه معنى الرداءة الخارجة عن الحد ويقال فحشت الناقة إذا وقفت على هيئة مخصوصة للبول فالفحش يلازمه القبح ولهذا لم يقل الفواحش من الإثم وقال في الكبائر كَبَائِرَ الإثْمِ لأن الكبائر إن لم يميزها بالإضافة إلى الإثم لما حصل المقصود بخلاف الفواحش
المسألة الرابعة كثرت الأقاويل في الكبائر والفواحش فقيل الكبائر ما أوعد الله عليه بالنار صريحًا وظاهرًا والفواحش ما أوجب عليه حدًا في الدنيا وقيل الكبائر ما يكفر مستحله وقيل الكبائر مالا يغفر الله لفاعله إلا بعد التوبة وهو على مذهب المعتزلة وكل هذه التعريفات تعريف الشيء بما هو مثله في الخفاء أو فوقه وقد ذكرنا أن الكبائر هي التي مقدارها عظيم والفواحش هي التي قبحها واضح فالكبيرة صفة عائدة إلى المقدار والفاحشة صفة عائدة إلى الكيفية كما يقال مثلًا في الأبرص علته بياض لطخة كبيرة ظاهرة اللون فالكبيرة لبيان الكمية والظهور لبيان الكيفية وعلى هذا فنقول على ما قلنا إن الأصل في كل معصية أن تكون كبيرة لأن نعم الله كثيرة ومخالفة المنعم سيئة عظيمة غير أن الله تعالى حط عن عباده الخطأ والنسيان لأنهما لا يدلان على ترك التعظيم إما لعمومه في العباد أو لكثرة وجوده منهم كالكذبة والغيبة مرة أو مرتين والنظرة والقبائح التي فيها شبهة فإن المجتنب عنها قليل في جميع الأعصار ولهذا قال أصحابنا إن استماع الغناء الذي مع الأوتار يفسق به وإن استمعه من أهل بلدة لا يعتدون أمر ذلك لا يفسق فعادت الصغيرة إلى ما ذكرنا من أن العقلاء إن لم يعدوه تاركًا للتعظيم لا يكون مرتكبًا للكبيرة وعلى هذا تختلف الأمور باختلاف الأوقات والأشخاص فالعالم المتقي إذا كان يتبع النساء أو يكثر من اللعب يكون مرتبكًا للكبيرة والدلال والباعة والمتفرغ الذي لا شغل له لا يكون كذلك وكذلك اللعب وقت الصلاة واللعب في غير ذلك الوقت وعلى هذا كل ذنب كبيرة إلا ما علم المكلف أو ظن خروجه بفضل الله وعفوه عن الكبائر
المسألة الخامسة في اللمم وفيه أقوال أحدها ما يقصده المؤمن ولا يحققه وهو على هذا القول من لم يلم إذا جمع فكأنه جمع عزمه وأجمع عليه وثانيها ما يأتي به المؤمن ويندم في الحال وهو من اللمم الذي هو مس من الجنون كأنه مسه وفارقه ويؤيد هذا قوله تعالى وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَة ً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ ( آل عمران 135 ) ثالثها اللمم الصغير من الذنب من ألم إذا نزل نزولًا من غير لبث طويل ويقال ألم بالطعام إذا قلل من أكله وعلى هذا فقوله إِلاَّ اللَّمَمَ يحتمل وجوهًا أحدها أن يكون ذلك استثناء من الفواحش وحينئذ فيه وجهان أحدهما استثناء منقطع لأن اللمم ليس من الفواحش وثانيهما غير منقطع لما بينا أن كل معصية إذا نظرت إلى جانب الله تعالى وما يجب أن يكون عليه فهي كبيرة وفاحشة ولهذا قال الله تعالى وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَة ً ( الأعراف 28 ) غير أن الله تعالى استثنى منها أمورًا يقال الفواحش كل معصية