فهرس الكتاب
نزلت في عثمان رضي الله عنه كان يعطي ماله عطاء كثيرًا فقال له أخوه من أمه عبد الله بن سعد بن أبي سرح يوشك أن يفنى مالك فأمسك فقال له عثمان إن لي ذنوبًا أرجو أن يغفر الله لي بسبب العطاء فقال له أخوه أنا أتحمل عنك ذنوبك إن تعطي ناقتك مع كذا فأعطاه ما طلب وأمسك يده عن العطاء فنزلت الآية وهذا قول باطل لا يجوز ذكره لأنه لم يتواتر ذلك ولا اشتهر وظاهر حال عثمان رضي الله عنه يأبى ذلك بل الحق أن يقال إن الله تعالى لما قال لنبيه ( صلى الله عليه وسلم ) من قبل فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَيَواة َ الدُّنْيَا ( النجم 29 ) وكان التولي من جملة أنواعه تولى المستغني فإن العالم بالشيء لا يحضر مجالس ذكر ذلك الشيء ويسعى في تحصيل غيره فقال أَفَرَأَيْتَ الَّذِى تَوَلَّى عن استغناء أعلم بالغيب
المسألة الثانية الفاء تقتضي كلامًا يترتب هذا عليه فماذا هو نقول هو ما تقدم من بيان علم الله وقدرته ووعده المسيء والمحسن بالجزاء وتقديره هو أن الله تعالى لما بين أن الجزاء لا بد من وقوعه على الإساءة والإحسان وأن المحسن هو الذي يجتنب كبائر الإثم فلم يكن الإنسان مستغنيًا عن سماع كلام النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وأتباعه فبعد هذا من تولى لا يكون توليه إلا بعد غاية الحاجة ونهاية الافتقار
المسألة الثالثة الَّذِى على ما قال بعض المفسرين عائد إلى معلوم وهو ذلك الرجل وهو الوليد والظاهر أنه عائد إلى مذكور فإن الله تعالى قال من قبل فَأَعْرَضَ مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وهو المعلوم لأن الأمر بالإعراض غير مختص بواحد من المعاندين فقال أَفَرَأَيْتَ الَّذِى تَوَلَّى أي الذي سبق ذكره فإن قيل كان ينبغي أن يقول الذين تولوا لأن ( من ) في قوله الَّذِى تَوَلَّى للعموم نقول العود إلى اللفظ كثير شائع قال تعالى مَن جَاء بِالْحَسَنَة ِ فَلَهُ ( القصص 84 ) ولم يقل فلهم
المسألة الرابعة قوله تعالى وَأَعْطَى قَلِيلًا ما المراد منه نقول على ما تقدم هو المقدار الذي أعطاه الوليد وقوله وَأَكْدَى هو ما أمسك عنه ولم يعط الكل وعلى هذا لو قال قائل إن الإكداء لا يكون مذمومًا لأن الإعطاء كان بغير حق فالامتناع لا يذم عليه وأيضًا فلا يبقى لقوله قَلِيلًا فائدة لأن الإعطاء حينئذ نفسه يكون مذمومًا نقول فيه بيان خروجهم عن العقل والعرف أما العقل فلأنه منع من الإعطاء لأجل حمل الوزر فإنه لا يحصل به وأما العرف فلأن عادة الكرام من العرب الوفاء بالعهد وهو لم يف به حيث التزم الإعطاء وامتنع والذي يليق بما ذكرنا هو أن نقول تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا يعني إعطاء ما وجب إعطاؤه في مقابلة ما يجب لإصلاح أمور الآخرة ويقع في قوله تعالى عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ في مقابلة قوله تعالى ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مّنَ الْعِلْمِ ( النجم 30 ) أي لم يعلم الغيب وما في الآخرة وقوله تعالى أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِى صُحُفِ مُوسَى وَإِبْراهِيمَ الَّذِى وَفَّى أَلاَّ تَزِرُ وازِرَة ٌ وِزْرَ أُخْرَى ( النجم 36 38 ) في مقابلة قوله هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ إلى قوله لِيَجْزِى َ الَّذِينَ ( النجم 30 31 ) لأن الكلامين جميعًا لبيان الجزاء ويمكن أن يقال إن الله تعالى لما بين حال المشركين المعاندين العابدين للات والعزى والقائلين بأن الملائكة بنات الله شرع في بيان أهل الكتاب وقال بعدما رأيت حال المشرك الذي تولى عن ذكرنا أفرأيت حال من تولى وله كتاب وأعطى قليلًا من الزمان حقوق الله تعالى ولما بلغ زمان محمد أكدى فهل علم الغيب فقال شيئًا لم يرد في كتبهم ولم ينزل عليهم في الصحف المتقدمة ووجد فيها بأن كل واحد يؤاخذ بفعله ويجازى