فهرس الكتاب

الصفحة 5738 من 6606

تعالى وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ مّنَ السَّمَاء وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَة ً واحِدَة ً ( ي س 28 29 ) بيانًا لكمال القدرة ومن العجيب أنهم كانوا يطلبون المطر سنين فأهلكهم بمطلوبهم

المسألة الثالثة الباء في قوله بِمَاء مُّنْهَمِرٍ ما وجهه وكيف موقعه نقول فيه وجهان أحدهما كما هي في قول القائل فتحت الباب بالمفتاح وتقديره هو أن يجعل كأن الماء جاء وفتح الباب وعلى هذا تفسير قول من يقول يفتح الله لك بخير أي يقدر خيرًا يأتي ويفتح الباب وعلى هذا ففيه لطيفة وهي من بدائع المعاني وهي أن يجعل المقصود مقدمًا في الوجود ويقول كأن مقصودك جاء إلى باب مغلق ففتحه وجاءك وكذلك قول القائل لعل الله يفتح برزق أي يقدر رزقًا يأتي إلى الباب الذي كالمغلق فيدفعه ويفتحه فيكون الله قد فتحه بالرزق ثانيهما فَتَحْنَا أَبْوابَ السَّمَاء مقرونة بِمَاء مُّنْهَمِرٍ والانهمار الانسكاب والانصباب صبًا شديدًا والتحقيق فيه أن المطر يخرج من السماء التي هي السحاب خروج مترشح من ظرفه وفي ذلك اليوم كان يخرج خروج مرسل خارج من باب ثم قال تعالى

وَفَجَّرْنَا الأرض عُيُونًا فَالْتَقَى المَآءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ

وفيه من البلاغة ما ليس في قول القائل وفجرنا عيون الأرض وهذا بيان التمييز في كثير من المواضع إذا قلت ضاق زيد ذرعًا أثبت مالا يثبته قولك ضاق ذرع زيد وفيه مسائل

المسألة الأولى قال وَفَجَّرْنَا الاْرْضَ عُيُونًا ولم يقل ففتحنا السماء أبوابًا لأن السماء أعظم من الأرض وهي للمبالغة ولهذا قال أَبْوابَ السَّمَاء ولم يقل أنابيب ولا منافذ ولا مجاري أو غيرها

وأما قوله تعالى وَفَجَّرْنَا الاْرْضَ عُيُونًا فهو أبلغ من قوله وفجرنا عيون الأرض لأنه يكون حقيقة لا مبالغة فيه ويكفي في صحة ذلك القول أن يجعل في الأرض عيونًا ثلاثة ولا يصلح مع هذا في السماء إلا قول القائل فأنزلنا من السماء ماء أو مياهًا ومثل هذا الذي ذكرناه في المعنى لا في المعجزة والحكمة قوله تعالى أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِى الاْرْضِ ( الزمر 21 ) حيث لا مبالغة فيه وكلامه لا يماثل كلام الله ولا يقرب منه غير أني ذكرته مثلًا وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الاْعْلَى ( النحل 60 )

المسألة الثانية العيون في عيون الماء حقيقة أو مجاز نقول المشهور أن لفظ العين مشترك والظاهر أنها حقيقة في العين التي هي آلة الأبصار ومجاز في غيرها أما في عيون الماء فلأنها تشبه العين الباصرة التي يخرج منها الدمع أو لأن الماء الذي في العين كالنور الذي في العين غير أنها مجاز مشهور صار غالبًا حتى لا يفتقر إلى القرينة عند الاستعمال إلا للتمييز بين العينين فكما لا يحمل اللفظ على العين الباصرة إلا بقرينة كذلك لا يحمل على الفوارة إلا بقرينة مثل شربت من العين واغتسلت منها وغير ذلك من الأمور التي توجد في الينبوع ويقال عانه يعينه إذا أصابه بالعين وعينه تعيينًا حقيقته جعله بحيث تقع عليه العين وعاينه معاينة وعيانًا وعين أي صار بحيث تقع عليه العين

المسألة الثالثة قوله تعالى فَالْتَقَى المَاء قرىء فالتقى الماءان أي النوعان منه ماء السماء وماء

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت