فهرس الكتاب
إِنَّ فِيهَا لُوطًا ( العنكبوت 32 ) فإن قيل قوله في سورة الحجر إِلا ءالَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ ( الحجر 59 ) استثناء من المجرمين وآل لوط لم يكونوا مجرمين فكيف استثنى منهم والجواب مثل ما ذكرنا فأحد الجوابين إنا أرسلنا إلى قوم يصدق عليهم إنهم مجرمون وإن كان فيهم من لم يجرم ثانيهما إلى قوم مجرمين بإهلاك يعم الكل إلا آل لوط وقوله تعالى نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ كلام مستأنف لبيان وقت الإنجاء أو لبيان كيفية الاستثناء لأن آل لوط كان يمكن أن يكونوا فيهم ولا يصيبهم الحاصب كما في عاد كانت الريح تقلع الكافر ولا يصيب المؤمن منها مكروه أو يجعل لهم مدفعًا كما في قوم نوح فقال نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ أي أمرناهم بالخروج من القرية في آخر الليل والسحر قبيل الصبح وقيل هو السدس الأخير من الليل
ثم قال تعالى
نِّعْمَة ً مِّنْ عِندِنَا كَذَلِكَ نَجْزِى مَن شَكَرَ
أي ذلك الإنجاء كان فضلًا منا كما أن ذلك الإهلاك كان عدلًا ولو أهلكوا لكان ذلك عدلًا قال تعالى وَاتَّقُواْ فِتْنَة ً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّة ً ( الأنفال 25 ) قال الحكماء العضو الفاسد يقطع ولا بد أن يقطع معه جزء من الصحيح ليحصل استئصال الفساد غير أن الله تعالى قادر على التمييز التام فهو مختار إن شاء أهلك من آمن وكذب ثم يثبت الذين أهلكهم من المصدقين في دار الجزاء وإن شاء أهلك من كذب فقال نعمة من عندنا إشارة إلى ذلك وفي نصبها وجهان أحدهما أنه مفعول له كأنه قال نجيناهم نعمة منا ثانيهما على أنه مصدر لأن الإنجاء منه إنعام فكأنه تعالى قال أنعمنا عليهم بالإنجاء إنعامًا وقوله تعالى كَذَلِكَ نَجْزِى مَن شَكَرَ فيه وجهان أحدهما ظاهر وعليه أكثر المفسرين وهو أنه من آمن كذلك ننجيه من عذاب الدنيا ولا نهلكه وعدًا لأمة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) بأنه يصونهم عن الإهلاكات العامة والسيئات المطبقة الشاملة وثانيهما وهو الأصح أن ذلك وعد لهم وجزاؤهم بالثواب في دار الآخرة كأنه قال كما نجيناهم في الدنيا أي كما أنعمنا عليهم ننعم عليهم يوم الحساب والذي يؤيد هذا أن النجاة من الإهلاكات في الدنيا ليس بلازم ومن عذاب الله في الآخرة لازم بحكم الوعيد وكذلك ينجي الله الشاكرين من عذاب النار ويذر الظالمين فيه ويدل عليه قوله تعالى مَّن يُرَدُّ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الاْخِرَة ِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِى الشَّاكِرِينَ ( آل عمران 145 ) وقوله تعالى فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الاْنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذالِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ ( المائدة 85 ) والشاكر محسن فعلم أن المراد جزاؤهم في الآخرة
ثم قال تعالى
وَلَقَدْ أَنذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْاْ بِالنُّذُرِ
وفيه تبرئة لوط عليه السلام وبيان أنه أتى بما عليه فإنه تعالى لما رتب التعذيب على التكذيب وكان من الرحمة أن يؤخره ويقدم عليه الإنذارات البالغة بين ذلك فقال أهلكناهم وكان قد أنذرهم من قبل وفي قوله بَطْشَتَنَا وجهان أحدهما المراد البطشة التي وقعت وكان يخوفهم بها ويدل عليه قوله تعالى إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا ( القمر 34 ) فكأنه قال إنا أرسلنا عليهم ما سبق ذكرها للإندار بها والتخويف وثانيهما المراد بها ما في الآخرة كما في قوله تعالى يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَة َ الْكُبْرَى ( الدخان 16 ) وذلك لأن الرسل كلهم كانوا ينذرون قومهم بعذاب الآخرة كما قال تعالى فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى ( الليل 14 ) وقال وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الاْزِفَة ِ ( غافر 18 ) وقال تعالى إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا ( النبأ 40 ) إلى غير