فهرس الكتاب
قال فَفَتَحْنَا أَبْوابَ السَّمَاء ( القمر 11 ) لأن الحكاية مسوقة على مساق ما تقدم من الحكايات فكأنه قال فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ ( القمر 30 ) كما قال من قبل ثم قيل لا علم لنا به وإنماأنت العليم فأخبرنا فقال أَنَّا أَرْسَلْنَا
المسألة الثالثة ما الحكمة في ترك العذاب حيث لم يقل فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى كما قال في الحكايات الثلاث نقول لأن التكرار ثلاث مرات بالغ ولهذا قال ( صلى الله عليه وسلم ) ( ألا هل بلغت ثلاثًا ) وقال ( صلى الله عليه وسلم ) ( فنكاحها باطل باطل باطل ) والإذكار تكرر ثلاث مرات فبثلاث مرار حصل التأكيد وقد بينا أنه تعالى ذكر فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى في حكاية نوح للتعظيم وفي حكاية ثمود للبيان وفي حكاية عاد أعادها مرتين للتعظيم والبيان جميعًا واعلم أنه تعالى ذكر فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى في ثلاث حكايات أربع مرات فالمرة الواحدة للإنذار والمرات الثلاث للإذكار لأن المقصود حصل بالمرة الواحدة وقوله تعالى فَبِأَى ّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ ( الرحمن 13 ) ذكره مرة للبيان وأعادها ثلاثين مرة غير المرة الأولى كما أعاد فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ ثلاث مرات غير المرة الأولى فكان ذكر الآلاء عشرة أمثال ذكر العذاب إشارة إلى الرحمة التي قال في بيانها مَن جَاء بِالْحَسَنَة ِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيّئَة ِ فَلاَ يَجْزِى إِلاَّ مِثْلَهَا ( الأنعام 160 ) وسنبين ذلك في سورة الرحمن
المسألة الرابعة إِلا ءالَ لُوطٍ استثناء مماذا إن كان من الذين قال فيهم إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا ذَلِكَ لايَة ً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ ثم قال إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ لكن لم يستثن عند قوله كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ وآله من قومه فيكون آله قد كذبوا ولم يكن كذلك الجواب عنه من وجهين أحدهما أن الاستثناء ممن عاد إليهم الضمير في عليهم وهم القوم بأسرهم غير أن قوله كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ لا يوجب كون آله مكذبين لأن قول القائل عصى أهل بلدة كذا يصح وإن كان فيها شرذمة قليلة يطيعون فكيف إذا كان فيهم واحد أو اثنان من المطيعين لا غير فإن قيل ماله حاجة إلى الاستثناء لأن قوله إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ يصح وإن نجا منهم طائفة يسيرة نقول الفائدة لما كانت لا تحصل إلا ببيان إهلاك من كذب وإنجاء من آمن فكان ذكر الإنجاء مقصودًا وحيث يكون القليل من الجمع الكثير مقصودًا لا يجوز التعميم والإطلاق من غير بيان حال ذلك المقصود بالاستثناء أو بكلام منفصل مثاله فَسَجَدَ الْمَلَائِكَة ُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلاَّ إِبْلِيسَ ( الحجر 30 31 ) استثنى الواحد لأنه كان مقصودًا وقال تعالى وَأُوتِيَتْ مِن كُلّ شَى ْء ( النمل 23 ) ولم يستثن إذ المقصود بيان أنها أوتيت لا بيان أنها ما أوتيت وفي حكاية إبليس كلاهما مراد ليعلم أن من تكبر على آدم عوقب ومن تواضع أثيب كذلك القول ههنا وأما عند التكذيب فكأن المقصود ذكر المكذبين فلم يستثن الجواب الثاني أن الاستثناء من كلام مدلول عليه كأنه قال ( إنا أرسلنا عليهم حاصبًا فما أنجينا من الحاصب إلا آل لوط ) وجاز أن يكون الإرسال عليهم والإهلاك يكون عامًا كما في قوله تعالى وَاتَّقُواْ فِتْنَة ً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّة ً ( الأنفال 25 ) فكان الحاصب أهلك من كان الإرسال عليه مقصودًا ومن لم يكن كذلك كأطفالهم ودوابهم ومساكنهم فما نجا منهم أحد إلا آل لوط فإن قيل إذا لم يكن الاستثناء من قوم لوط بل كان من أمر عام فيجب أن يكون لوط أيضًا مستثنى نقول هو مستثنى عقلًا لأن من المعلوم أنه لا يجوز تركه وإنجاء أتباعه والذي يدل عليه أنه مستثنى قوله تعالى عن الملائكة نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ ( العنكبوت 32 ) في جوابهم لإبراهيم عليه السلام حيث قال