فهرس الكتاب

الصفحة 6161 من 6606

يدل على أن المقصود الأصلي إنما هو فتنة الكافرين أجابت المعتزلة عنه من وجوه أحدها قال الجبائي المراد من الفتنة تشديد التعبد ليستدلوا ويعرفوا أنه تعالى قادر على أن يقوي هؤلاء التسعة عشر على مالا يقوى عليه مائة ألف ملك أقوياء وثانيها قال الكعبي المراد من الفتنة الامتحان حتى يفوض المؤمنون حكمة التخصيص بالعدد المعين إلى علم الخالق سبحانه وهذا من المتشابه الذي أمروا بالإيمان به وثالثها أن المراد من الفتنة ما وقعوا فيه من الكفر بسبب تكذيبهم بعدد الخزنة والمعنى إلا فتنة على الذين كفروا ليكذبوا به وليقولوا ما قالوا وذلك عقوبة لهم على كفرهم وحاصله راجع إلى ترك الألطاف والجواب أنه لا نزاع في شيء مما ذكرتم إلا أنا نقول هل لإنزال هذه المتشابهات أثر في تقوية داعية الكفر أم لا فإذا لم يكن له أثر في تقوية داعية الكفر كان إنزالها كسائر الأمور الأجنبية فلم يكن للقول بأن إنزال هذه المتشابهات فتنة للذين كفروا وجه ألبتة وإن كان له أثر في تقوية داعية الكفر فقد حصل المقصود لأنه إذا ترجحت داعية الفعل صارت داعية الترك مرجوحة والمرجوح يمتنع أن يؤثر فالترك يكون ممتنع الوقوع فيصير الفعل واجب الوقوع والله أعلم واعلم أنه تعالى بين أن المقصود من إنزال هذا المتشابه أمور أربعة أولها لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ وثانيها وَيَزْدَادَ الَّذِينَ ءامَنُواْ إِيمَانًا وثالثها وَلاَ يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ ورابعها وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَاذَا مَثَلًا واعلم أن المقصود من تفسير هذه الآيات لا يتلخص إلا بسؤالات وجوابات

السؤال الأول لفظ القرآن يدل على أنه تعالى جعل افتتان الكفار بعدد الزبانية سببًا لهذه الأمور الأربعة فما الوجه في ذلك والجواب أنه ما جعل افتتانهم بالعدد سببًا لهذه الأشياء وبيانه من وجهين الأول التقدير وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا وإلا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب كما يقال فعلت كذا لتعظيمك ولتحقير عدوك قالوا والعاطفة قد تذكر في هذا الموضع تارة وقد تحذف أخرى الثاني أن المراد من قوله وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَة ً لّلَّذِينَ كَفَرُواْ هو أنه وما جعلنا عدتهم إلا تسعة عشر إلا أنه وضع فتنة للذين كفروا موضع تسعة عشر كأنه عبر عن المؤثر باللفظ الدال على الأثر تنبيهًا على أن هذا الأثر من لوازم ذلك المؤثر

السؤال الثاني ما وجه تأثير إنزال هذا المتشابه في استيقان أهل الكتاب الجواب من وجوه أحدها أن هذا العدد لما كان موجودًا في كتابهم ثم إنه عليه السلام أخبر على وفق ذلك من غير سابقة دراسة وتعلم فظهر أن ذلك إنما حصل بسبب الوحي من السماء فالذين آمنوا بمحمد ( صلى الله عليه وسلم ) من أهل الكتاب يزدادون به إيمانًا وثانيها أن التوراة والإنجيل كانا محرفين فأهل الكتاب كانوا يقرأون فيهما أن عدد الزبانية هو هذا القدر ولكنهم ما كانوا يعولون على ذلك كل التعويل لعلمهم بتطرق التحريف إلى هذين الكتابين فلما سمعوا ذلك من رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قوي إيمانهم بذلك واستيقنوا أن ذلك العدد هو الحق والصدق وثالثها أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كان يعلم من حال قريش أنه متى أخبرهم بهذا العدد العجيب فإنهم يستهزئون به ويضحكون منه لأنهم كانوا يستهزئون به في إثبات التوحيد والقدرة والعلم مع أن تلك المسائل أوضح وأظهر فكيف في ذكر هذا العدد العجيب ثم إن استهزاءهم برسول الله وشدة سخريتهم به ما منعه من إظهار هذا الحق فعند هذا يعلم كل أحد أنه لو كان غرض محمد ( صلى الله عليه وسلم ) طلب الدنيا والرياسة لاحترز عن ذكر هذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت