فهرس الكتاب

الصفحة 6219 من 6606

العلة يقتضي عموم الحكم

ثم قال تعالى وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ أي هؤلاء وإن أهلكوا وعذبوا في الدنيا فالمصيبة العظمى والطامة الكبرى معدة لهم يوم القيامة

السؤال الثاني المراد من الإهلاك في قوله أَلَمْ نُهْلِكِ الاْوَّلِينَ هو مطلق الإماتة أو الإماتة بالعذاب فإن كان ذلك هو الأول لم يكن تخويفًا للكفار لأن ذلك أمر حاصل للمؤمن والكافر فلا يصلح تحذيرًا للكافر وإن كان المراد هو الثاني وهو الإماتة بالعذاب فقوله ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الاْخِرِينَ كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ يقتضي أن يكون الله قد فعل بكفار قريش مثل ذلك ومن المعلوم أنه لم يوجد ذلك وأيضًا فلأنه تعالى قال وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ الجواب لم لا يجوز أن يكون المراد منه الإماتة بالتعذيب وقد وقع ذلك في حق قريش وهو يوم بدر سلمنا ذلك فلم لا يجوز أن يكون المراد من الإهلاك معنى ثالثًا مغايرًا للأمرين اللذين ذكروهما وهو الإماتة المستعقبة للذم واللعن فكأنه قيل إن أولئك المتقدمين لحرصهم على الدنيا عاندوا الأنبياء وخاصموهم ثم ماتوا فقد فاتتهم الدنيا وبقي اللعن عليهم في الدنيا والعقوبة الأخروية دائمًا سرمدًا فهكذا يكون حال هؤلاء الكفار الموجودين ومعلوم أن مثل هذا الكلام من أعظم وجوه الزجر

أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ فَجَعَلْنَاهُ فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ إِلَى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ

اعلم أن هذا هو النوع الثالث من تخويف الكفار ووجه التخويف فيه من وجهين الأول أنه تعالى ذكرهم عظيم إنعامه عليهم وكلما كانت نعمة الله عليهم أكثر كانت جنايتهم في حقه أقبح وأفحش وكلما كان كذلك كان العقاب أعظم فلهذا قال عقيب ذكر هذا الإنعام وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ الوجه الثاني أنه تعالى ذكرهم كونه قادرًا على الابتداء وظاهر في العقل أن القادر على الابتداء قادر على الإعادة فلما أنكروا هذه الدلالة الظاهرة لا جرم قال في حقهم وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ وأما التفسير فهو أن قوله أَلَمْ نَخْلُقكُّم مّن مَّاء مَّهِينٍ أي من النطفة كقوله ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَة ٍ مّن مَّاء مَّهِينٍ فَجَعَلْنَاهُ فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ وهو الرحم لأن ما يخلق منه الولد لا بد وأن يثبت في الرحم ويتمكن بخلاف مالا يخلق منه الولد ثم قال إِلَى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ والمراد كونه في الرحم إلى وقت الولادة وذلك الوقت معلوم لله تعالى لا لغيره كقوله إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَة ِ إلى قوله وَيَعْلَمُ مَا فِى الاْرْحَامِ فَقَدَرْنَا قرأ نافع وعبدالله بن عامر بالتشديد وقرأ الباقون بالتخفيف أما التشديد فالمعنى إنا قدرنا ذلك تقديرًا فنعم المقدرون له نحن ويتأكد هذا الوجه بقوله تعالى مِن نُّطْفَة ٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ولأن إيقاع الخلق على هذا التقدير والتحديد نعمة من المقدر على المخلوق فحسن ذكره في موضع ذكر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت