فهرس الكتاب
المنة والنعمة ومن طعن في هذه القراءة قال لو صحت هذه القراءة لوجب أن يقال فقدرنا فنعم المقدرون وأجيب عنه بأن العرب قد تجمع بين اللغتين قال تعالى فَمَهّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا وأما القراءة بالتخفيف ففيها وجهان الأول أنه من القدرة أي فقدرنا على خلقه وتصويره كيف شئنا وأردنا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ حيث خلقناه في أحسن الصور والهيئات والثاني أنه يقال قدرت الشيء بالتخفيف على معنى قدرته قال الفراء العرب تقول قدر عليه الموت وقدر عليه الموت وقدر عليه رزقه وقدر بالتخفيف والتشديد قال تعالى فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ
أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض كِفَاتًا أَحْيَآءً وَأَمْواتًا وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِى َ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُم مَّآءً فُرَاتًا وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ
اعلم أن هذا هو النوع الرابع من تخويف الكفار وذلك لأنه ذكرهم بالنعم التي له عليهم في الأنفس وفي هذه الآية ذكرهم بالنعم التي له عليهم في الآفاق ثم قال في آخر الآية وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ والسبب فيه ما قدمنا أن النعم كلما كانت أكثر كانت الجناية أقبح فكان استحقاق الذم عاجلًا والعقاب آجلًا أشد وإنما قدم تلك الآية على هذه الآية لأن النعم التي في الأنفس كالأصل للنعم التي في الآفاق فإنه لولا الحياة والسمع والبصر والأعضاء السليمة لما كان الانتفاع بشيء من المخلوق ممكنًا
واعلم أنه تعالى ذكر ههنا ثلاثة أشياء أولها الأرض وإنما قدمها لأن أقرب الأشياء إلينا من الأمور الخارجية هو الأرض ومعنى الكفات في اللغة الضم والجمع يقال كفت الشيء أي ضممته ويقال جراب كفيت وكفت إذا كان لا يضيع شيئًا مما يجعل فيه ويقال للقدر كفت قال صاحب الكشاف هو اسم ما يكفت كقولهم الضمام والجماع لما يضم ويجمع ويقال هذا الباب جماع الأبواب وتقول شددت الشيء ثم تسمي الخيط الذي تشد به الشيء شدادًا وبه انتصب أحياء وأمواتًا كأنه قيل كافتة أحياء وأمواتًا أو بفعل مضمر يدل عليه وهو نكفت ويكون المعنى نكفتكم أحياء وأمواتًا فينصبان على الحال من الضمير هذا هو اللغة ثم في المعنى وجوه أحدها أنها تكفت أحياء على ظهرها وأمواتًا في بطنها والمعنى أن الأحياء يسكنون في منازلهم والأموات يدفنون في قبورهم ولهذا كانوا يسمون الأرض أما لأنها في ضمها للناس كالأم التي تضم ولدها وتكفله ولما كانوا يضمون إليها جعلت كأنها تضمهم وثانيها أنها كفات الأحياء بمعنى أنها تكفت ما ينفصل الأحياء من الأمور المستقذرة فأما أنها تكفت ( الأحياء ) حال كونهم على ظهرها فلا وثالثها أنها كفات الأحياء بمعنى أنها جامعة لما يحتاج الإنسان إليه في حاجاته من مأكل ومشرب لأن كل ذلك يخرج من الأرض والأبنية الجامعة للمصالح الدافعة للمضار مبنية منها ورابعها أن قوله أَحْيَاء وَأَمْواتًا معناه راجع إلى الأرض والحي ما أنبت والميت مالم ينبت بفي في الآية سؤالان
الأول لم قيل أَحْيَاء وَأَمْواتًا على التنكير وهي كفات الأحياء والأموات جميعًا الجواب هو من