فهرس الكتاب
فسبقت إحداهما الأخرى والقلوب الواجفة هي القلقة والأبصار الخاشعة هي أبصار المنافقين كقوله الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِى ّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ( محمد 20 ) كأنه قيل لما جاء خيل العدو يرجف وردفتها أختها اضطرب قلوب المنافقين خوفًا وخشعت أبصارهم جبنًا وضعفًا ثم قالوا أَءنَّا لَمَرْدُودُونَ فِى الْحَافِرَة ِ ( النازعات 10 ) أي نرجع إلى الدنيا حتى نتحمل هذا الخوف لأجلها وقالوا أيضًا تِلْكَ إِذًا كَرَّة ٌ خَاسِرَة ٌ ( النازعات 12 ) فأول هذا الكلام حكاية لحال من غزا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من المشركين وأوسطه حكاية لحال المنافقين وآخره حكاية لكلام المنافقين في إنكار الحشر ثم إنه سبحانه وتعالى أجاب عن كلامهم بقوله فَإِنَّمَا هِى َ زَجْرَة ٌ واحِدَة ٌ فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَة ِ ( النازعات 14 13 ) وهذا كلام أبي مسلم واللفظ محتمل له وإن كان على خلاف قول الجمهور
قوله تعالى قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَة ٌ أَبْصَارُهَا خَاشِعَة ٌ اعلم أنه تعالى لم يقل القلوب يومئذ واجفة فإنه ثبت بالدليل أن أهل الإيمان لا يخافون بل المراد منه قلوب الكفار ومما يؤكد ذلك أنه تعالى حكى عنهم أنهم يقولون أَءنَّا لَمَرْدُودُونَ فِى الْحَافِرَة ِ ( النازعات 10 ) وهذا كلام الكفار لا كلام المؤمنين وقوله أَبْصَارُهَا خَاشِعَة ٌ لأن المعلوم من حال المضطرب الخائف أن يكون نظره نظر خاشع ذليل خاضع يترقب ما ينزل به من الأمر العظيم وفي الآية سؤالان
السؤال الأول كيف جاز الابتداء بالنكرة الجواب قلوب مرفوعة بالابتداء وواجفة صفتها وأبصارها خاشعة خبرها فهو كقوله وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مّن مُّشْرِكٍ ( البقرة 221 )
السؤال الثاني كيف صحت إضافة الأبصار إلى القلوب الجواب معناه أبصار أصحابها بدليل قوله يقولون ثم اعلم أنه تعالى حكى ههنا عن منكري البعث أقوالًا ثلاثة
أولها قوله تعالى يَقُولُونَ أَءنَّا لَمَرْدُودُونَ فِى الْحَافِرَة ِ يقال رجع فلان في حافرته أي في طريقه التي جاء فيها فحفرها أي أثر فيها بمشيه فيها جعل أثر قدميه حفرًا فهي في الحقيقة محفورة إلا أنها سميت حافرة كما قيل فِى عِيشَة ٍ رَّاضِيَة ٍ ( الحاقة 21 ) و مَّاء دَافِقٍ ( الطارق 6 ) أي منسوبة إلى الحفر والرضا والدفق أو كقولهم نهارك صائم ثم قيل لمن كان في أمر فخرج منه ثم عاد إليه رجع إلى حافرته أي إلى طريقته وفي الحديث ( إن هذا الأمر لا يترك على حاله حتى يرد على حافرته ) أي على أول تأسيسه وحالته الأولى وقرأ أبو حيوة في الحفرة والحفرة بمعنى المحفورة يقال حفرت أسنانه فحفرت حفرًا وهي حفرة هذه القراءة دليل على أن الحافرة في أصل الكلمة بمعنى المحفور إذا عرفت هذا ظهر أن معنى الآية أنرد إلى أول حالنا وابتداء أمرنا فنصير أحياء كما كنا
وثانيها قوله تعالى أَءذَا كُنَّا عِظَامًا نَّخِرَة ً وفيه مسائل
المسألة الأولى قرأ حمزة وعاصم ناخرة بألف وقرأ الباقون نخرة بغير ألف واختلفت الرواية عن الكسائي فقيل إنه كان لا يبالي كيف قرأها وقيل إنه كان يقرؤها بغير ألف ثم رجع إلى الألف واعلم أن