فهرس الكتاب

الصفحة 6273 من 6606

المسألة الثالثة لما ثبت أن الله تعالى خلق الأرض أولًا ثم خلق السماء ثانيًا ثم دحى الأرض بعد ذلك ثالثًا ذكروا في تقدير تلك الأزمنة وجوهًا روي عن عبد الله بن عمر ( خلق الله البيت قبل الأرض بألفي سنة ومنه دحيت الأرض ) واعلم أن الرجوع في أمثال هذه الأشياء إلى كتب الحديث أولى

أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَاهَا

الصفة الثانية قوله تعالى أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا وفيه مسألتان

المسألة الأولى ماؤها عيونها المتفجرة بالماء ومرعاها رعيها وهو في الأصل موضع الرعي ونصب الأرض والجبال بإضمار دحا وأرسى على شريطة التفسير وقرأهما الحسن مرفوعين على الابتداء فإن قيل هلا أدخل حرف العطف على أخرج قلنا لوجهين الأول أن يكون معنى دحاها بسطها ومهدها للسكنى ثم فسر التمهيد بما لا بد منه في تأتي سكناها من تسوية أمر المشارب والمآكل وإمكان القرار عليها بإخراج الماء والمرعى وإرساء الجبال وإثباتها أوتادًا لها حتى تستقر ويستقر عليها والثاني أن يكون أَخْرَجَ حالًا والتقدير والأرض بعد ذلك دحاها حال ما أخرج منها ماء ومرعاها

المسألة الثانية أراد بمرعاها ما يأكل الناس والأنعام ونظيره قوله في النحل أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاء مَآء لَّكُم مَّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ ( النحل 10 ) وقال في سورة أخرى أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنَا الاْرْضَ شَقًّا إلى قوله مَتَاعًا لَّكُمْ وَلاِنْعَامِكُمْ ( عبس 32 25 ) فكذا في هذه الآية واستعير الرعي للإنسان كما استعير الرتع في قوله يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ ( يوسف 12 ) وقرىء نرتع من الرعي ثم قال ابن قتيبة قال تعالى وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَى ْء حَى ّ ( الأنبياء 30 ) فانظر كيف دل بقوله مَاءهَا وَمَرْعَاهَا على جميع ما أخرجه من الأرض قوتًا ومتاعًا للأنام من العشب والشجر والحب والثمر والعصف والحطب واللباس والدواء حتى النار والملح أما النار فلا شك أنها من العيدان قال تعالى أَفَرَءيْتُمُ النَّارَ الَّتِى تُورُونَ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ نَحْنُ ( الواقعة 72 71 ) وأما الملح فلا شك أنه متولد من الماء وأنت إذا تأملت علمت أن جميع ما يتنزه به الناس في الدنيا ويتلذذون به فأصله الماء والنبات ولهذا السبب تردد في وصف الجنة ذكرهما فقال جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانْهَارُ ( البقرة 25 ) ثم الذي يدل على أنه تعالى أراد بالمرعى كل ما يأكله الناس والأنعام قوله في آخر هذه الآية مَتَاعًا لَّكُمْ وَلاِنْعَامِكُمْ ( النازعات 33 )

وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا مَتَاعًا لَّكُمْ وَلاًّنْعَامِكُمْ

الصفة الثالثة قوله تعالى وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا والكلام في شرح منافع الجبال قد تقدم

ثم إنه تعالى لما بين كيفية خلقه الأرض وكمية منافعها قال مَتَاعًا لَّكُمْ وَلاِنْعَامِكُمْ والمعنى أنا إنما خلقنا هذه الأشياء متعة ومنفعة لكم ولأنعامكم واحتج به من قال إن أفعال الله وأحكامه معللة بالأغراض والمصالح والكلام فيه قد مر غير مرة واعلم أنا بينا أنه تعالى إنما ذكر كيفية خلقة السماء والأرض ليستدل بها على كونه قادرًا على الحشر والنشر فلما قرر ذلك وبين إمكان الحشر عقلًا أخبر بعد ذلك عن وقوعه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت