إن المعركة التي تعيشها الأمة الإسلامية اليوم معركة خطيرة، إنها معركة العقيدة، معركة الأخلاق، معركة الأفكار، معركة المرجعية، ومعركة الحاكمية؛ حاكمية شرع الله أو شرع الشيطان على كل قلب مسلم، على كل بيت، على كل حي، على كل مجتمع، على كل دولة، على العالم بأسره ...
إنها معركة لن تحسمها كتائب الجيوش الأرضية، ولا أسراب الطائرات الحربية، ولا سيل الصواريخ البالستية والذرية والنووية، بل إن الذي سيحسم هذه المعركة بإذن الله هو أنا وأنت أيها المسلم، نعم أنت الذي لا أعرفك، وأنا الذي لا تعرفني، لا أقولها تزكية للنفس معاذ الله، ولكن أقولها استشعارًا لثقل الأمانة الملقاة على عاتقنا، أقولها يقينًا وثقةً بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"كم من أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له، لو أقسم على الله لأبره" [1] ، أقولها غير آبهٍ لجموع الكفر والطغيان، فإن الله تعالى قد تكفل لنا بهم، إن نحن نصحنا لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وإن نحن أنكرنا المنكر ما وسعنا، وأمرنا بالمعروف ما أطقنا، ونصرنا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بكل ما نملك، نعم بكل ما نملك، بأنفسنا، بأموالنا، بأولادنا، بأزواجنا، بمساكننا، بتجارتنا، بعشيرتنا، بكل شيء، وتأمل معي قصة قوم لوط في هذه المشاهد القرآنية العظيمة المعجزة، لتدرك أخي المسلم أن سر النصر هو النصرة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ولكتابه ولشريعته مهما كانت الأسباب المتاحة يسيرة تافهة، وأن سر الهزيمة هو محادة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم مهما كانت الأسباب المتاحة لهذه المحادة كثيرة وفيرة.
ولقد وجدت أن خير ما نختم به هذه الرسالة التحذيرية لعموم المسلمين من خطر هؤلاء المجرمين، وخطر فكرهم، وعقيدتهم، وخلقهم المنحرف، وفطرتهم المنكوسة، أن نتدبر في هذه المشاهد القرآنية التي وثقت لهذه الجريمة ولمبرراتها المزعومة ولشبهات أهلها الباطلة، ولملازمة الموحدين فسطاط الإيمان والعفة والطهارة، والقيام بفريضة إنكار المنكر، ثم وثقت لنصرة الله تعالى لعقيدة الحق، ولفطرة التوحيد، ولسلوك الطهر والعفة، في مشهد عذاب وهلاك لأعداء الله تعالى لم يشهد التاريخ مثله، ولقد سردت هذه المشاهد على ترتيب المصحف للتدبر والتمعن، وإن أثرها في نفس من شرح الله صدره للإيمان كفيلة بأن تهيج فيه التحرك لنصرة معسكر الإيمان في معركة العفة والطهارة، فلنتأمل:
قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: (فلما ذهب عن إبراهيمَ الرَوعُ وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط. إن إيراهيم لحليمٌ أوَاهٌ مُنيب. يا إبراهيم أعرِض عن هذا إنه قد جاء أمرُ ربك وإنهم آتيهم عذابٌ غير مردود. ولما جاءت رُسُلُنا لوطًا سيء بهم وضاق بهم ذرعًا وقال هذا يومٌ عصيب. وجاءه قومُه يُهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات قال يا قومِ هؤلاء بناتي هنَّ أطهر لكم فاتقوا الله ولاتُخرونِ في ضيفي أليس منكم رجلٌ رشيد. قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من
(1) سنن الترمذي - حديث 3854، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه