وشهودها مثل هؤلاء الأجلة، فنفرت قلوب الناس من ابن عتيق وضجوا وضجروا، وكل من أمكنه السفر سافر، وما تأخر إلا العاجز، وكان الشريف أبو طالب ابن الشريف حسن كلما سمع شيئًا من هذه الأمور تألم [غاية التألم] [1] ، فلما تولى بعد موت أبيه أرسل بمسك ابن عتيق، فمسك يوم الجمعة بعد العصر، واستمر في الحبس يوم السبت والأحد، فلما وصل استدعاه وسأله عن جميع أحواله فقال له: قد فعلت، فرده الحبس، فقتل نفسه بجنبية [2] أخذها من العبد الذي كان مكلفًا بحفظه، وتوفي يوم الثلاثاء ثاني جماد الآخر سنة ألف وعشرة، وكان يقول: الشرع ما نريده، وأبطل في أيامه عدة من المسائل الشرعية؛ كالوصايا والعتق والتدبير، وباع أمهات الأولاد بأولادهن. فلما مات رمي في درب جدة في حفرة صغيرة بلا غسل ولا صلاة ولا كفن، ورمت عليه العامة الأحجار، وعملت الفضلاء فيه التواريخ، فمنها قول بعضهم:
أشقى النفوس الباغية ابن عتيق الطاغية
نار الجحيم استعوذت [منه] [3] وقالت ماليه
لما أتى تاريخه أجب لظى والهاوية
وكانت وفاة الشريف حسن ليلة الخميس لثلاث خلت من جماد الآخر سنة ألف وعشرة في مكان يقال له: الرفاعية، وحمل إلى مكة، ودفن بالمعلا،
(1) قوله: غاية التألم، زيادة مش خلاصة الأثر.
(2) الجنبية: مدية لنصلها حدان، سميت بذلك؛ لأنها تثبت في حزام وتوضع في الجنب، لها أشكال متنوعة، تستعمل في شبه الجزيرة العربية والغرب الأقصى، وألبانيا، وتركيا، وأجودها ما صنع في فارس والهند واليمن (انظر: الموسوعة الميسرة ص: 648) .
(3) قوله: منه، زيادة من خلاصة الأثر.