وحتى لو ضمنت الدول المنتجة للنفط تدفق النفط لأمريكا، فهل سيرضي ذلك أمريكا؟، كلا لن يرضيها فإنها تريد أسعارًا تناسبها وكميات كافية هي تحددها ولا أحد سواها، فلا يمكن فصل أمن المنابع، عن تدفق النفط بالسعر المناسب والكمية الكافية، فتخفيض الإنتاج من قبل المنتج يؤدي إلى زيادة السعر، مما يؤدي إلى الإضرار بالاقتصاد الأمريكي، وهو مشابه تمامًا لعملية احتلال عدو خارجي لمنابع النفط وإيقاف التصدير عن أمريكا، فأمن النفط وسعره وكميته هم أمريكي لا يمكن المساومة عليه بحال حتى مع المصدرين أنفسهم، يقول (هنري كيسنجر) وزير الخارجية الأمريكي في مطلع 1395هـ 1975م (بالرغم من أن أية خطوة عسكرية أمريكية في الخليج ستكون شديدة الخطورة، فإنني لا أستطيع القول بأنه لن تطرأ ظروف على المنطقة، تؤدي إلى استعمالنا لقواتنا العسكرية، إن استعمال القوة العسكرية في حال الخلاف حول سعر النفط هو شيء، لكن قيام محاولة حقيقية لخنق العالم الصناعي هو شيء آخر) وهذا يعني أن أمريكا على استعداد لضرب منتجي النفط أنفسهم في حال اتباعهم لسياسات حيال السعر أو الكمية التي قد تؤدي إلى اختناق الدول الصناعية، فالمحافظة على هذا المبدأ يقتضي شن حروب متواصلة لضمان هذه الركائز الثلاث، فمن السخف تعليق الوجود الأمريكي بصدام، رغم وضوح الأهداف الأمريكية والدوافع لهذا التواجد العسكري.
ولا يستغرب تصريح (كيسنجر) السابق الذي أقر فيه استخدام القوة ضد المنتجين أنفسهم، فقد جاء الأمر بأصرح من ذلك بعد أزمة النفط التي خنقت أمريكا عام 1393هـ حيث وضعت وزارة الدفاع البنتاغون ومجلس الأمن القومي في الولايات المتحدة خطة أطلق عليها اسم (الظهران الخيار الرابع) ، وهذه الخطة ترمي إلى احتلال حقول النفط السعودية في حال نشوب حرب ينجم عنها حظر عربي للنفط مرة أخرى، وقد تركزت هذه الخطة على غزو حقل الغوار النفطي وهو يعد أكبر احتياطي نفطي في العالم، وتم وضع الخطة التي تتولى الهجوم فيها تسع كتائب مشاه محمولة جوًا، تنطلق من ولاية (نورث كارولينا) الأمريكية، وبحماية جوية إلى الخليج عن طريق القاعدة الإسرائلية (حتسريم) - واليوم لا تحتاج هذه الكتائب أن تنطلق من أمريكا، بل إنها ستنطلق من العراق أو الكويت أو قطر -، وتستولي هذه الكتائب على حقول النفط في الظهران بعد إجلاء الرعايا الأمريكيين، ثم تزحف باتجاه حقل الغوار والسفانية في الصحراء، بعد الاستيلاء على أرصفة الموانئ ومستودعات التخزين في رأس تنورة، وتبدأ بالتمركز في المنطقة وزيادة القوات بإرسال كتيبة مشاه مدعمة للسيطرة على المنطقة، وقد ذكرت الخطة بأن تنفيذ هذه المهمة أسهل بكثير من أي خطة أصغر منها حجمًا في فيتنام أو كوبا، وذلك لقلة الكثافة السكانية في المنطقة، ولوجود الحقول النفطية في صحراء قاحلة ليس فيها أشجار أو جبال تعيق من التقدم فيها أو حمايتها.
وجاء في مقدمة هذه الخطة كمبرر لها مقولة (ليس أمامنا إلا الانهيار الاقتصادي، أو الاستيلاء على السعودية في حال ظهور أية بوادر للخنق الاقتصادي) ، وربما يعد هذا الدافع هو الذي دفعهم للعدوان على العراق دون مبرر يذكر، وإذا لم يف العراق باحتياجاتهم ولم يتمكنوا من ضمان السعر المطلوب والكمية الكافية، فربما يلتفتون إلى دولة أخرى قد تكون قطر أو السعودية أو الكويت التي ظهرت أصوات أمريكية رسمية بضرورة ضم الأخيرة إلى العراق، والتحرك العسكري الأمريكي الأخير دون تنسيق ظاهر مع حكومات المنطقة يثير الشكوك تجاه ذلك.
وليست خطة غزو حقول النفط السعودية واحتلالها والسيطرة عليها، خطة قديمة تم التخلي عنها، بل إنها لا زالت خيارًا يطور ويخطط له بكل السبل، وفي جلسة للكونجرس بعد الذكرى الأولى لضربات سبتمبر، أعيد طرح مشورع احتلال السعودية وتقسيمها إلى ثلاث كانتونات، تكون المنطقة الشرقية فيها دولة نفطية ديمقراطية مستقلة تحت السيادة والحماية الأمريكية، وطرحت مشاريع كثيرة تنادي بمثل هذه الحلول الجذرية، كما عبروا عنها، ونظن أن العدوان على العراق هو أحد مراحل هذه الخطة الجذرية.
هذا هو الدافع للتواجد العسكري الأمريكي من الناحية الاقتصادية، وليس الدافع الوحيد فالدوافع الاقتصادية كثيرة لا نطيل بسردها.