لكن الله تعالى اختاره ليكون من حملة هذا العلم الشريف، والمنافحين عن علومه، فردّه إليه وكان لذلك قصّة طريفة يحكيها هو عن نفسه، فيقول:
كنت مع السلطان بايزيد خان في سفرٍ، وكان الوزيرُ وقتئذٍ إبراهيم باشا ابن خليل باشا، وكان وزيرًا عظيمَ الشأن، وكان في ذلك الزمان أميرٌ يقال له: أحمد بك ابن أورنوس، وكان عظيم الشأن جدًا لا يتصدَّرُ عليه أحد من الأمراء.
وكنتُ واقفًا على قدمي قدَّام الوزير المزبور، والأمير المذكور عنده جالس، إذ جاء رجلٌ من العلماء رثَّ الهيئة، دنيء اللباس، فجلس فوقَ الأمير المذكور، ولم يمنعْه أحد عن ذلك.
فتحيَّرت في هذا، فقلت لبعض رفقائي: مَن هذا الذي جَلَسَ فوق هذا الأمير.
فقال: هو رجل عالمٌ مدرسٌ بمدرسة (( فلبه ) )، يقال له: المولى لطفي.
قلت: كم وظيفتُه، قال: ثلاثون درهمًا.
قلت: فكيف يَتَصَدَّرُ هذا الأمير، ومنصبه هذا المقدار.
قال رفيقي: إن العلماء معظَّمون؛ لعلمهم، ولو تأخَّر لم يرض بذلك الأمير، ولا الوزير.
قال: فتفكَّرتُ في نفسي، فقلت: إنِّي لا أبلغ مرتبةَ الأمير المسفور في الإمارة، وإنِّي لو اشتغلتُ بالعلم يمكن أن أبلغ رتبةَ العالم المذكور، فنويتُ أن أشتغلَ بعد ذلك بالعلم الشريف.
قال: فلَمَّا رجعنا من السفر، وصلت إلى خدمة المولى لطفي المذكور، وقد أعطي، هو ثم ذلك مدرسة دار الحديث بمدينة أدرنه، وعُيِّن له كلَّ يوم أربعون درهمًا، فقرأت عليه عليه (( حواشي شرح المطالع ) )... (1) .
ومن ثمَّ دأب، وحصَّل، وصرف سائر أوقاته في تحصيل العلم، ومذاكرته، وإفادته، واستفادته حتى فاق الأقران، وصار إنسان عين الأعيان (2) .
(1) ينظر: (( الشقائق ) ) (ص226) . (( الطبقات السنية ) ) (1: 356) .
(2) ينظر: (( الطبقات السنية ) ) (1: 355) .