... فيرى الكندى أن علاقة النفس بالبدن علاقة عارضة وذلك رغم اتحادها به ولا تفعل أفعالها إلا به إلا أنها مباينة له [1] .
... لكن الفارابى يتردد في هذه المسألة فتارة يرى أنها صورة للجسم وتارة أخرى يصرح بأنها جوهر مستقل عن الجسم ، وهو يعتبر الجسم شرط في وجود النفس [2] فهذا يؤكد على العلاقة بينهما بالرغم من أن النفس جوهر مستقل عن الجسم.
... أما ابن سينا فيرى أن اتصال النفس بالجسم هو اتصال جوهر بجوهر آخر بصفة عرضية ، والنفس جوهر روحانى قائم بذاته [3] فهو يتفق إذن مع الكندى.
... و يوافق ابن رشد ابن سينا في جعله النفس جوهرًا روحانيًا قائمًا بذاته ، لكنه مع ذلك يعد صورة للجسم ، وهي تحل في البدن والجسم آلة لها ومحل تحل به [4]
... والقول بأن الإنسان مادة فقط قول ينقضه ما يعرفه الإنسان بفطرته ، فهو كائن يعى ذاته والمادة لا تعى ذاتها والإنسان هو الكائن القادر على استخلاص أنواع المعرفة تجريدًا بعمليات ذهنية معقدة ، والإنسان حين يتأمل ذاته أو ما يسمى بالاستبطان لا يدرك مادة وإنما يدرك فكرًا ، والدوافع الداخلية والعواطف أمور غير مادية [5] .
... فالإنسان مركب من النفس والجسم وذلك في علاقة لا تنفصل ومرتبطان أشد أنواع الارتباط لقوله تعالى: ( فإذا سويته ونفخت فيه من روحي ) [الحجر 29] ، فالتسوية للجسد ويعقبها نفخ الروح ، فهو يدرك الأمور العقلية والنفسيةمن نفسه وليس من جسمه.
(1) راجع د. خليل الجر: تاريخ الفلسفة العربية ، ج2 / 77
(2) راجع الفارابى: التعليقات ، حيدر أباد ، الهند ، 1346هـ ، ص 12.
(3) راجع ابن سينا: الشفاء ، النفس م ا ف 3 ، ص 23.
(4) راجع ابن رشد: تلخيص النفس ، ص12 ، الكشف عن مناهج الأدلة ، ص 64.
(5) راجع د. أبو الوفا التفتازانى: الإنسان والكون في الإسلام ، ص 68 ، 69.