(وبتمام في هذا بحسب ترتيبنا تم القول في هذا الكتاب بحسب غرضنا. ولله الشكر والحمد كثيرا، على ما وفق وهدى ومن به من التمام والكمال. وكان الفراغ منه يوم الأربعاء، التاسع من جمادى الأولى الذي هو عام أربعة وثمانين وخمسمائة، وهو جزء من كتاب: المجتهد الذي وضعته منذ أزيد من عشرين عاما أو نحوها، والحمد لله رب العالمين) [1] وعلق الناسخ بقوله: (كان رضي الله عنه عزم حين تأليف الكتاب أولا ألا يثبت كتاب الحج ثم بدا له بعد فأثبته) [2] .
ومفهوم النص يفيد أن تأليف الكتاب كان حوالي سنة 563 أو 564هـ على وجه التقريب. وبهذا يكون الكتاب قد ألف بعد (مختصر المستصفى) أو الضروري في علم أصول الفقه والذي صرح صاحب تقديم هذا الكتاب بأنه ألف سنة: 552هـ. أي ألف الجانب التطبيقي (الفقه) بعد الجانب النظري: الأصول بحوالي: عشر سنوات. ويدعم فكرة ما قاله في"البداية"نفسها: (وقد تكلمنا في العمل(عمل أهل المدينة) وقوته في كتابنا في الكلام الفقهي وهو الذي يدعى بأصول الفقه) [3]
وكان من الممكن عدم الوقوف عند مسألة تاريخ تأليف"البداية"لوضوحها لولا أن صاحب رسالة"ابن رشد وعلوم الشريعة"ذهب يؤكد أن تاريخ تأليف البداية هو سنة أربعة وثمانين وخمسمائة ويوافق هذا التاريخ شهر جوان من سنة 1188للميلاد) [4] وهو وهم وقع فيه عندما كان بصدد تصحيح ما اعتقد خطأه عند الفيلسوف الفرنسي رينان الذي ذكر في كتابه"ابن رشد والرشدية"كتاب"بداية المجتهد ونهاية المقتصد".
وذكر أنه يخيل إليه أنه هو الكتاب الذي عزي إلى ابن رشد وذكر بعنوان"كتاب المعتقد"في قائمة الكتب التي (يشتمل عليها مخطوطنا العربي) [5] فرد عليه بقوله: (ولقد عثرت ببداية المجتهد على نص يتحدث فيه ابن رشد عن كتاب سابق ألفه وسماه"المجتهد"فبت على يقين من أن هذا الكتاب هو الذي وقع التصحيف في عنوانه فكتب"المعتقد"بدل"المجتهد" [6] ولم تذكر كتب التراجم ولا صرح ابن رشد في البداية بوجود هذا الكتاب غير نفس"بداية المجتهد"الذي أضاف إليه كتاب الحج بعد مرور حوالي عشرين عاما.
وليت الأمر وقف عند مجرد خطأ في التاريخ، ولكن رتب على ذلك نتائج تحتاج ... الى مراجعة جذرية لأنه يبدو له كما يقول (فرغ للتأليف في الفقه أثناء هذه الفترة، بعد أن أشبع نهمه من التأليف في الفلسفة وشروحها .. ) [7] وهو اعتقاد سوف يلقي بظلاله بدون شك على عمله في كتابه"ابن رشد وعلوم الشريعة"وما رتبه على ذلك من استنتاجات، في حين أن واقع الاشتغال المبكر بالفقه وأصوله فعل في ابن رشد عكس ذلك تماما حيث وجه فلسفته نحو الاعتدال وجعله يعتقد (أن الحكمة هي صاحبة الشريعة والأخت الرضيعة( ... ) المصطحبتان بالطبع المتحابتان بالطبع بالجوهر والغريزة) [8] وجعله بذلك أقرب الفلاسفة إلى روح الإسلام وجوهره.
ويرجع بنا تاريخ البداية إلى السنوات الأولى من حكم أبي يعقوب يوسف بن عبد المومن حيث ستعرف الدولة الموحدية مزيدا من الاستقرار والتمكن وسيصبح ابن رشد وجيها في بلاط الموحدين بعد معرفته الأولية به زمن عبد المومن ليشارك في وضع المناهج التعليمية للبلاد، وسيستدعى أثناء تأليفه للبداية أو بعده بقليل 564هـ لتولي خطة القضاء بإشبيلية ثم قرطبة بعد ذلك.
وهكذا سيتخلى ابن رشد عن نظرته التشاؤمية لواقعه والتي تزامنت مع الفترة الإنتقالية الصعبة ـ سقوط دولة وقيام أخرى ـوالتي كان همه فيها تحصيل "الأمور الضرورية التي لا غنى للكمال الإنساني عنها) [9] فجاءت كتب المختصرات قبل"البداية"مثل المختصر في المنطق والمختصر في النفس وتلخيص المقولات وتلخيص العبارة ومختصر المستصفى والضروري في النحو وغيرها. فكان الغرض مثلا من تجريد الأقاويل الضرورية من صناعة المنطق هو تحصيل ما هو ضروري منها لأن (طلب الأفضل في زماننا هذا يكاد أن يكون ممتنعا) [10] "
ونفس التعبير نجده في مختصر النفس حيث يقول) والقول في هذه الأشياء على الإستقصاء يستدعي قولا أبسط من هذا بكثير، لكن قولنا جرى في هذه الأشياء بحسب الأمر الضروري فقط. وإن فسح الله في العمر وجلى هذه الكرب، فسنتكلم في هذه الأشياء بقول أبين وأوضح وأشد استقصاء من هذا كله. لكن القدر الذي كتبناه في هذه الأشياء هو الضروري في الكمال الإنساني وبه تحصل أول مراتب الانسان. وهذا القدر لمن اتفق له الوقوف عليه بحسب زماننا هذا كثير ... ) [11]
وهكذا بالإضافة إلى هذا، وبعد أن كتب في أصول الفقه ما يراه يحقق الحد الأدنى من الكمال الإنساني وانسجاما مع الوضع الجديد حيث زوال الكروب والفتن (وقد رفع الله كثيرا من هذه الشرور والجهالات والمسالك المضلات بهذا الأمر الغالب) [12] . فوجب الانطلاق نحو البناء والإبداع ووضع خطة لتكوين المجتهدين لينسجموا مع الدولة الجديدة التي تهفو نحو التجديد والوحدة والعظمة. وما دمنا مع تاريخ"البداية"تحسن الإشارة إلى ظاهرة مراجعة ابن رشد لأعماله السابقة في
(1) - بداية المجتهد ج: 1 ص: 278
(2) - نفس المرجع والصفحة
(3) - نفسه: ج: 1 ص: 74
(4) - حمادي لعبيدي (ابن رشد وعلوم الشريعة الإسلامية) ص 38.
(5) - ابن رشد والرشدية رينان ص 88.
(6) - ابن رشد وعلوم الشريعة الإسلامية حمادي لعبيدي ص 38.
(7) - نفسه: ص 38 ـ39.
(8) - ابن رشد (فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال) ضمن مجموع: فلسفة ابن رشد ص 38. منشورات دار الآفاق الجديدة-بيروت-ط1 - 1982
(9) - المتن الرشدي: ص 51.
(10) - نفسه: ص 51.
(11) - نفسه: ص 53.
(12) - فصل المقال: ص 38 (يشيرعلى الراجح بالأمر الغالب: استتباب الأمر للموحدين) .