المحاسبة والمنافسة وطول المجاورة مما دفع بعضهم إلى تصيد الهفوات (والسعي بالوشاية الماحية لأبي الوليد كثير من الحسنات) [1] بتعبير المترجم الذي أورد الشبهة، فكثيرا ما وصف ابن رشد بعض آراء الفقهاء بقوله: (وهذا كله تخبط وشيء غير مفهوم) [2] أو بقوله (وأقاويل هؤلاء شاذة ومردودة) [3] . وأزال صفة الفقيه عمن يكتفي بحفظ الفروع (وبهذه الرتبة يسمى فقيها لا بحفظ مسائل الفقه ولو بلغت في العد أقصى ما يمكن أن يحفظه إنسان كما نجد متفقهة زماننا .. ) [4]
بل ويتهمهم بقلة الورع (فكم من فقيه كان الفقه سببا في قلة تورعه وخوضه في الدنيا بل أكثر الفقهاء وهكذا نجدهم) [5] ولا يتحرج من إلصاق صفة الجهل بهم لما شنعوا بالفلسفة وأهلها فيبين لهم أن (معنى الفيلسوف المحب للحكمة. وشرح هذا الاسم يرفع عن السامع له المنصف الشناعة التي لحقت هذه التسمية في زماننا من قبل قوم انتسبوا إلى علم الشرع وهم معرون مما تعرفه العامة والله الموفق للصواب بفضله ورحمته) [6] فلا يبعد بعد هذا أن يكون عدم رد ابن رشد للكتاب إن كان قد استعاره فعلا لأسباب أخرى، فرتب عنه ذلك الفقيه استنتاجه الذي تعوزه الأدلة المقنعة. كما أن هذا السلوك يتنافى وما ذكر له من خصال حميدة وأخلاق فاضلة وجاه لم ينفقه (قط في شيء يخصه ولا في استجرار منفعة لنفسه) [7] .
5 ـ حضور البيئة القرطبية والأندلسية عموما في الكتاب سواء من حيث المراجع والمصادر التي اعتمدها كما سبق أن أشرنا، أو من حيث ذكرها بالاسم. قال ابن رشد: (ولقد حدثني الأشياخ أنه كان العمل عليه بمسجد عندنا بقرطبة وأنه استمر إلى زماننا أو قريب من زماننا) [8]
وفي موضع آخر في كتاب الاجارة (وإن اختلفا في الأمرين جميعا في المسافة والثمن مثل أن يقول رب الدابة بقرطبة: اكتريت منك إلى قرمونة بدينارين ويقول المكتري: بل بدينار إلى إشبيلية( ... ) ويغرم من الثمن ما يجب له من قرطبة إلى قرمونة) [9] كما يحكي لنا مسألة وقعت لجده: (وقد كانت وقعت هذه المسألة بقرطبة حياة جدي رحمه الله فأفتى أهل زمانه بالرواية المشهورة وهو أن لا ينتظر الصغير، فأفتى هو رحمه الله بانتظاره على القياس فشنع أهل زمانه ذلك عليه، لما كانوا عليه من شدة التقليد حتى اضطر أن يضع في ذلك قولا ينتصر فيه لهذا المذهب وهو موجود بأيدي الناس ... ) [10] .
كما بين أن المذهب السائد في الأندلس في زمانه هو المذهب المالكي (وإن أنسأ الله في العمر فسنضع كتابا في الفروع على مذهب مالك بن أنس مرتبا ترتيبا صناعيا، إذ كان المذهب المعمول به في هذه الجزيرة التي هي جزيرة الأندلس حتى يكون القارىء به مجتهدا في مذهب مالك) [11] .
6 ـ وجود تشابه كبير في القصد والعبارة بين كتاب"البداية"وبعض مؤلفات ابن رشد الأخرى مما يؤكد أن مؤلفها واحد. فإذا بدأنا بالنص الأخير الوارد في الفقرة السابقة نجد عبارة (مرتبا ترتيبا صناعيا) وهو نفس التعبير تقريبا في كتاب تلخيص الجدل ص 170 الذي كتبه في نفس السنة مع"البداية"563هـ ( ... وإن كان في ذلك مخالفة لتعليم أرسطو في ترتيبه فإن هذا يشبه أن يكون أكثر صناعيا وأعون على الحفظ والتحصيل) [12] .
وبصيغ أخرى يقول في أحد مؤلفاته: (فهذه هي حال المطالب التي ينبغي أن تطلب في هذا المعنى، وهي في كلام أرسطو موجودة إلا أن منها ما هي موجودة بالفعل ومنها ما هي موجودة بالقوة في أصوله التي أصل، فنبتدىء نحن بعون الله منها بما هو موجود بالفعل في كلامه ثم بما هو موجود بالقوة في أصوله) [13] . فنجد هذا التعبير الفلسفي يتسرب إلى"البداية"مثل قوله: (فالنظر في هذا القسم منطو بالقوة في الجزء الأول ولكن النظر الصناعي الفقهي يقتضي أن يفرد بالتكلم فيه) [14] .
وكذا عبارة (وإن أنسأ الله في العمر .. ) الموجودة في آخر الفقرة السابقة، نجد ما يشبهها في التعبير في كتابه"شرح السماء والعالم"، حيث يقول: (ولعلنا إن أنسأ الله في الأجل أن نبين هذا المعنى عند شرحنا كلام أرسطو .. ) [15] ، كما استخدم في مؤلفاته كلمة (النكت) التي كثيرا ما يرددها في"البداية"يقول في كتابه"تلخيص المزاج": (أحد ما حملنا على تلخيص كتبه-يقصد أرسطو-هو إيضاح ما فيها من هذه النكت .. ) [16]
وأما من حيث القصد فنجد النزعة التأصيلية وعدم الاهتمام بالفروع مسألة مشتركة عند ابن رشد بين الفقه ومجالات معرفية أخرى فهو يقول في الطب مثلا: ( ... ولذلك ما كانت هذه الصناعة تحتاج بعض فصول الأمور الكلية التي فيها إلى تجربة تحصل منها مقدمات جزئية تستعمل في شخص شخص، وليس يمكن أن تكتب هذه المقدمة في كتاب إذ كانت غير متناهية ... ) [17] ويقابلها من"البداية"قوله:
(1) - الذيل والتكملة: ج6 ص25.
(2) - البداية: ج1ص237.
(3) - نفسه: ج 1ص496.
(4) - نفسه: ج 2ص317.
(5) - فلسفة ابن رشد (فصل المقال) ص18.
(6) - تلخيص المزاج ص94 عن (المتن الرشدي ص 113. )
(7) - الذيل والتكملة ج6ص 25.
(8) - البداية: 2/ 246.
(9) - نفسه: 2/ 380ـ381.
(10) - نفسه: 2/ 236.
(11) - نفسه: 2/ 699.
(12) - تلخيص الجدل م. م ص 170 عن (المتن الرشدي ص 69. )
(13) - مقال في المنطق والعلم الطبيعي ص259 عن (المتن الرشدي ص94. )
(14) - بداية المجتهد ج: 2 ص: 130
(15) -شرح السماء والعالم ورقة: 97 عن (المتن الرشدي ص: 107)
(16) - المتن الرشدي ص: 114
(17) - كتاب الكليات (مخطوط غرناطة ص193) نقلا عن المتن الرشدي 60.