(وذلك أن الوقائع بين أشخاص الأناسي غير متناهية، والنصوص والأفعال والاقرارات متناهية ومحال أن يقابل ما لا يتناهى بما يتناهى ... ) [1] .
فالغرض الأساس من تأليف كتابيه: الكليات في الطب و"البداية"في الفقه هو وضع دساتير وقوانين للقول الطبي والقول الفقهي، وهذا ما نلمسه من النصين التاليين حيث تشابه المثالان فيهما إلى حد كبير، فهو يقول في كتاب الكليات (فإن كتابنا هذا إنما قصدنا فيه أن نجعله كالدستور والقانون لمن أحب أن يستوفي أجزاء الصناعة على هذا التقسيم والترتيب، وبالجملة فنسبته إلى هذه الصناعة يشبه أن تكون نسبة أسطقسات [2] الصناعة الى الصناعة فكما أن الزواقين إنما يرسمون الصورة التي يقصدون تصويرها ثم يملؤون تلك الرسوم بالأصباغ والألوان حتى تحصل تلك الصورة على الكمال الأخير. كذلك حالنا نحن في هذا الكتاب) [3] . ويقول في كتاب"البداية": (ونحن نذكر من هذه المسائل ما اشتهر الخلاف فيه بين الفقهاء ليكون ما يحصل من ذلك في نفس الفقيه يعود كالقانون والدستور الذي يعمل عليه فيما لم يجد فيه نصا عمن تقدمه أو فيما لم يقف على نص فيه لغيره ... ) [4] .
وفي موضع آخر حيث المثال القريب من مثال الأسطقسات، وهو ينتقد متفقهة زمانه (وهؤلاء عرض لهم شبيه ما يعرض لمن ظن أن الخفاف هو الذي عنده خفاف كثيرة لا يقدر على عملها، وهو بين أن الذي عنده خفاف كثيرة سيأتيه إنسان بقدم لا يجد في خفافه ما يصلح لقدمه، فيلجأ إلى صانع الخفاف ضرورة وهو الذي يصنع للقدم خفا يوافقه ... ) [5] .
7 ـ الناظر في"البداية"يلمس جانبا من ثقافة ابن رشد، فكما رأينا أثر الجانب الفلسفي فيها. كذلك نشعر بابن رشد الطبيب وهو يصاحبنا في الكتاب، فهو يربط أحيانا بين صناعة الفقه وصناعة الطب إذ يقول: (وإن دلت على أنه قصد الإضرار بورثته منع من ذلك كما في أشياء كثيرة من الصنائع يعرض فيها للصانع الشيء وضده مما اكتسبوا من قوة مهنتهم إذ لا يمكن أن يجد في ذلك حد مؤقت صناعي، وهذا كثيرا ما يعرض في صناعة الطب وغيرها من الصنائع المختلفة) [6] .
ويشير في معرض حديثه إلى الدم الذي تراه الحامل مستعينا بثقافته الطبية وعلمه بأقوال أطباء اليونان (وبذلك أمكن أن يكون حمل على حمل على ما حكاه بقراط وجالينوس وسائر الأطباء) [7] وفي موضع آخر (ومن فرق بينهما أوجب للعظام الحس ولم يوجبه للشعر، وفي حس العظام اختلاف، والأمر مختلف فيه بين الأطباء
(1) - البداية: ج 1ص56.
(2) - الأصول والعناصر
(3) - الكليات (مخطوط غرناطة ص 74) عن المتن الرشدي 181.
(4) - البداية 2/ 286.
(5) - نفسه: ج 2ص317.
(6) - بداية المجتهد: ج2ص74.
(7) - نفسه: ج1ص126.