كتابا أذكر فيه الآثار المأثورة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأحكام التي يتوهم أهل الإلحاد والضعفة من أهل الإسلام أن بعضها ينقض بعضها لقلة علمهم بناسخها من منسوخها وما يجب به العمل منها لما يشهد له من الكتاب الناطق والسنة المجتمع عليها وأجعل لذلك أبوابا أذكر في كل كتاب منها ما فيه من الناسخ والمنسوخ وتأويل العلماء واحتجاج بعضهم على بعض وإقامة الحجة لمن صح عندي قوله منهم بما يصح به مثله من كتاب أو سنة أو إجماع أو تواتر من أقاويل الصحابة أو تابعيهم.
وإني نظرت في ذلك وبحثت عنه بحثا شديدا , فاستخرجت منه أبوابا على النحو الذي سأل , وجعلت ذلك كتبا , ذكرت في كل كتاب منها جنسا من تلك الأجناس) [1]
فمقصوده أحاديث الأحكام وليس عموم الآثار كما كان شأنه في كتابه"مشكل الآثار"بإزالة ما يتوهم من تعارض وبيان ما يكون به العمل والسير في ذلك توخيا للتنظيم على أبواب الفقه. ودعم من صح عنده قوله بالأدلة والحجج المناسبة. وهو في الغالب أبوحنيفة النعمان، فهو كما قال النووي: (إمام أصحاب أبي حنيفة في الحديث والذاب عنهم) [2]
بخصوص موضع المقارنة بين كتاب الطحاوي وبين"البداية"فأول ما بدأ به في كتاب الطهارة باب الماء يقع فيه النجاسة [3] :
1 -افتتحه بحديث من روايته إلى أبي سعيد الخدري {أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ من بئر بضاعة فقيل يا رسول الله إنه يلقى فيه الجيف والمحائض فقال إن الماء لا ينجس} ثم أورد روايتين عن أبي سعيد الخدري في نفس المعنى وأخرى عن محمد بن أبي يحيى الأسلمي عن أمه وخامسة عن أبي نضرة عن جابر أو أبي سعيد في نفس المعنى بصيغ مختلفة.
2 -بين مذاهب العلماء في هذه الآثار فقال قوم بها وانتهوا إلى أن لا ينجس الماء شيء وقع فيه , إلا أن يغير لونه , أو طعمه , أو ريحه. وخالفهم آخرون فلم يروا فيها حجة.
3 -الاستدلال على ضعف المذهب الأول وقوة مذهب الأحناف، ومن ذلك:
-اعتبار البئر طريقا للماء إلى البساتين فيكون حكمها حكم الأنهار فلا تنجس حتى يتغير ماؤها
-الإجماع بأن النجاسة إذا وقعت في البئر فغلبت على طعم مائها أو ريحه أو لونه , أن ماءها قد فسد. وقدروا في الاحتمال أن بئر بضاعة وقع لها ذلك، فكان سؤال الناس بعد إزاحة النجاسة منه فسألوا هل يطهر الماء بذلك. فمعنى لا ينجس أي لا يبقى نجسا بعد إزالة النجاسة منه كحال الأرض والمسجد والمسلم وما يشبه ذلك مما وردت فيه آثار بأنه لا ينجس والمقصود فيه ما سبق.
(1) الطحاوي"شرح معاني الآثار"ج: 1 ص: 16 - اربعة اجزاء-دار المعرفة-بيروت
(2) المجموع شرح المهذب ج: 1 ص: 164
(3) "شرح معاني الآثار"ج: 1 ص: 11 - 18