-ساق أحاديث النهي عن البول في الماء الدائم وذكر ثمانية منها كلها من طريق أبي هريرة رضي الله عنه وأخرى من طريق سفيان عن أبي الزناد ورواية عن جابر رضي الله عنه ثم قال الطحاوي: (فلما خص رسول الله صلى الله عليه وسلم الماء الراكد الذي لا يجري دون الماء الجاري , علمنا بذلك أنه إنما فصل ذلك لأن النجاسة تداخل الماء الذي لا يجري , ولا تداخل الماء الجاري)
-أشار إلى حديث ولوغ الكلب في الإناء مستدلا بالأمر بغسله على نجاسة الماء والإناء رغم عدم تغير طعمه أو ريحه أو لونه.
-أكد الطحاوي أن تغليب المعنى الذي صار إليه في حديث بئر بضاعة هو السبيل للجمع بينه وبين الأحاديث التي ساقها في الباب من غير تناقض ولا تضاد.
4 -عرج بعد ذلك على من وقتوا في ذلك حدا فقالوا: إذا كان الماء مقدار قلتين لم يحمل الخبث محتجين بحديث القلتين الذي أورده من طريق ابن عمر مرتين ومن طريق ابن عمر عن أبيه مرتين أيضا ثم رواية خامسة موقوفة على ابن عمر. ومما رد به هذا الاحتجاج - عدم ورود مقدار القلة في هذه الآثار، فاحتملت قلال الحجاز وقامة الرجل بحيث يكون الماء لكثرته في حكم الأنهار فلا ينجس.
-وأما عن القول بأن الخبر يؤخذ على ظاهره , والقلال ليست غير قلال الحجاز المعروفة، فإنه ينبغي بمقتضى الأخذ بالظاهر أن يكون الماء إذا بلغ ذلك المقدار لا تضره النجاسة , وإن غيرت لونه أو طعمه أو ريحه ,فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يبين ذلك في هذا الحديث - وأما عن القول بأنه صلى الله عليه وسلم ذكر مسألة التغير في غير حديث القلتين، كما في حديث {الماء لا ينجسه شيء , إلا ما غلب على لونه أو طعمه أو ريحه}
فقال الطحاوي: (هذا منقطع , وأنتم لا تثبتون المنقطع ولا تحتجون به فإن كنتم قد جعلتم قوله في القلتين على خاص من القلال جاز لغيركم أن يجعل الماء على خاص من المياه , فيكون ذلك عنده على ما يوافق معاني الآثار الأول ولا يخالفها)
-ختم بالهاجس الذي يشغله وهو درء ما يظهر من التعارض بين الآثار المروية في الباب، وذلك أن أحاديث النهي عن البول في الماء الراكد وحديث ولوغ الكلب عامة لم يذكر فيها مقدار الماء وإنما هي حكم كل ماء لا يجري، فثبت أن ما في حديث القلتين هو على الماء الذي يجري بغير نظر إلى المقدار.
5 -ثم قال: (وهذا المعنى الذي صححنا عليه معاني هذه الآثار , هو قول أبي حنيفة , وأبي يوسف , ومحمد. ) ثم ذكر بعض من تقدمهم ممن يوافق مذهبهم. كابن الزبير الذي نزح ماء زمزم لما مات فيها آدمي فجعل الماء لا ينقطع , فنظر فإذا عين تجري من قبل الحجر الأسود فقال ابن الزبير حسبكم. وما روي عن علي رضي الله عنه قال في بئر وقعت فيها فأرة فماتت. قال ينزح ماؤها. وما روي عن أبي هريرة من أنه نهى عن البول في الغدير وأباح ذلك لمن شاء إن كان جاريا. وعن الشعبي في الطير والسنور ونحوهما. يقع في البئر. قال (ينزح منها أربعون دلوا) وعنه أيضا سبعون دلوا و (عن إبراهيم في البئر يقع فيه الجرذ أو السنور فيموت؟ قال: يدلو منها أربعين دلوا , قال المغيرة حتى يتغير الماء)