وعن إبراهيم أيضا في الفأرة تقع في البئر قال ينزح منها دلاء وعن حماد بن أبي سليمان في دجاجة ينزح منها قدر أربعين دلوا أو خمسين , ثم يتوضأ منها.
ثم رد على من ألزمهم جدلا بطم البئر أو حفره وغسل جدرانه لتشرب حيطانه النجاسة بأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بغسل إناء ولوغ الكلب ولم يأمر بكسره، وذكر اختلاف البئر عن الإناء في الغسل إذ يقع الماء في الأول داخلها وفي الثاني خارجه. ولما أجمعوا أن نزح طينها وحفرها غير واجب , كان غسل حيطانها أحرى أن لا يكون واجبا.
وهكذا يستميت الطحاوي في المنافحة والدفاع عن مذهب أبي حنيفة بما وجد من الآثار وتقليب أوجه النظر لرد المعاني الموجودة فيما يخالف المذهب من أحاديث الخصوم ولو أن يحمل مقدار القلتين على الماء الجاري وأن يقول في الماء الموجود في إناء ولغ فيه الكلب بأنه غير محدد المقدار!
-"المغني"لابن قدامة (ت 620هـ) :
رتب الإمام موفق الدين عبد الله بن أحمد المعروف بابن قدامة كتابه"المغني"على شرح مختصر أبي القاسم عمر بن الحسين بن عبد الله الخرقي (ت334هـ) في الفقه متتبعا في ذلك مسائله وأبوابه , فيبدأ في كل مسألة بشرحها وتبيينها , وما دلت عليه بمنطوقها ومفهومها ومضمونها , ثم يتبع ذلك بما يشابهها مما ليس بمذكور في المختصر , فتجيء المسائل كتراجم لأبواب الكتاب وهو في كل ذلك يقصد شرح مذهب الإمام أحمد واختياره.
ويبين في كثير من المسائل ما اختلف فيه مما أجمع عليه , ويذكر لكل إمام ما ذهب إليه , ويشير إلى دليل بعض أقوالهم على (سبيل الاختصار , والاقتصار من ذلك على المختار , وأعزو ما أمكنني عزوه من الأخبار , إلى كتب الأئمة من علماء الآثار , لتحصل الثقة بمدلولها , والتمييز بين صحيحها ومعلولها , فيعتمد على معروفها , ويعرض عن مجهولها) [1]
وبخصوص المسألة التي نحن بصدد عرض مختلف أوجه تناولها عند ثلة من العلماء ممن تعرض لأقوال المذاهب فيها، فقد بدأ صاحب"المغني"فيها في كتاب الطهارة - باب ما تكون به الطهارة من الماء-مسألة كان الماء قلتين فوقعت فيه النجاسة [2] - يقول الخرقي في مختصره: (وإذا كان الماء قلتين , وهو خمس قرب , فوقعت فيه نجاسة فلم يوجد لها طعم ولا لون ولا رائحة , فهو طاهر)
1 -فبدأ بشرح القلة محددا المقدار الذي لا ينجس وهو خمسمائة رطل بالعراقي. وبين أن هذا هو ظاهر المذهب, وهو مذهب الشافعي. ثم ذكر ما يقوي رأيه من الأثر والنظر.
2 -ثم بين ما دلت عليه المسألة بصريحها وهو أن ما بلغ القلتين فلم يتغير بما وقع فيه لا ينجس , ثم بمفهومها وهو أن ما تغير بالنجاسة نجس وإن كثر , وأن ما دون القلتين ينجس بمجرد ملاقاة النجاسة , وإن لم يتغير.
(1) مقدمة"المغني"لابن قدامة
(2) "المغني"ج: 1 ص: 30 - 38