-ثم فصل فروعا أخرى مثل الاختلاف في المذهب في الشك يقع في بلوغ الماء قدرا يدفع النجاسة أو لا يدفعها، وكذا وقوع النجاسة في غير الماء من المائعات وحكم الماء المستعمل، وكذا إذا كان الماء كثيرا , فوقع في جانب منه نجاسة , فتغير بها، وهل هناك فرق بين يسير النجاسة وكثيرها؟
والغديران إذا اتصل أحدهما بالآخر بساقية بينهما , هل يعتبران ماء واحدا، وحكم الماء في جانب النهر ماء واقف , مائل عن سنن الماء , متصل بالجاري , أو كان في أرض النهر وهدة , فيها ماء واقف وكان ذلك مع الجرية المقابلة له دون القلتين، والعمل لتطهير الماء النجس، وتنجس العجين ونحوه هل من سبيل إلى تطهيره؟ ; لأنه لا يمكن غسله , وكذلك الشأن في الحبوب ونحوها تقع في الماء النجس , حتى انتفخ وابتل , هل تطهر أم لا؟.
فابن قدامة بين مقصوده في بسط مذهب الإمام أحمد مع ذكر غيره من الأئمة (تبركا بهم , وتعريفا لمذاهبهم) ولذا نجده هادئا يرد الآراء المخالفة في غير شدة ولا عنف، ويحرص أن يجد في كل مسألة يذهب فيها إمامه مذهبا من يوافقه وخصوصا من المذهبين الشافعي والمالكي.
-"المحلى"لابن حزم (ت456هـ) :
ذكر علي بن أحمد بن سعيد بن حزم في مقدمة كتابه"المحلى بالآثار"أنه بصدد شرح مختصر للمسائل التي جمعها في كتابه الموسوم"بالمحلى"يقتصر فيه (على قواعد البراهين بغير إكثار , ليكون مأخذه سهلا على الطالب والمبتدئ , ودرجا له إلى التبحر في الحجاج ومعرفة الاختلاف وتصحيح الدلائل المؤدية إلى معرفة الحق مما تنازع الناس فيه والإشراف على أحكام القرآن والوقوف على جمهرة السنن الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتمييزها مما لم يصح , والوقوف على الثقات من رواة الأخبار وتمييزهم من غيرهم والتنبيه على فساد القياس وتناقضه وتناقض القائلين به) مطمئنا قارئه إلى أنه لم يحتج في كتابه إلا بخبر صحيح من رواية الثقات مسند ولم يخالف إلا خبرا ضعيفا بين ضعفه , أو منسوخا أوضح نسخه.
وأما عن المسألة موضع المقارنة فقد أوردها بدوره في كتاب الطهارة-مسألة حكم المائع إذا وقعت فبه نجاسة [1] -وسار فيها على المنهج التالي:
1 -بدأ بمختصره الذي يتولى شرحه فقال: (وكل شيء مائع - من ماء أو زيت أو سمن أو لبن أو ماء ورد أو عسل أو مرق أو طيب أو غير ذلك , أي شيء كان , إذا وقعت فيه نجاسة أو شيء حرام يجب اجتنابه أو ميتة , فإن غير ذلك لون ما وقع فيه أو طعمه أو ريحه فقد فسد كله وحرم أكله , ولم يجز استعماله ولا بيعه , فإن لم يغير شيئا من لون ما وقع فيه ولا من طعمه ولا من ريحه , فذلك المائع حلال أكله وشربه واستعماله - إن كان قبل ذلك كذلك - والوضوء حلال بذلك الماء , والتطهر به في الغسل أيضا كذلك , وبيع ما كان جائزا بيعه قبل ذلك حلال .. )
(1) "المحلى بالآثار"ج: 1 ص: 141 - 169