والواقع أن هذه المسألة تتجاذب ابن رشد حيث عبر عنها بالقول: (والقول في القسامة هو داخل فيما تثبت به الدماء وهو في الحقيقة جزء من كتاب الأقضية ولكن ذكرناه هنا على عادتهم وذلك أنه إذا ورد قضاء خاص بجنس من أجناس الأمور الشرعية رأوا أن الأولى أن يذكر في ذلك الجنس وأما القضاء الذي يعم أكثر من جنس واحد من أجناس الأشياء التي يقع فيها القضاء فيذكر في كتاب الأقضية وقد تجدهم يفعلون الأمرين جميعا كما فعل مالك في الموطأ فإنه ساق فيه الأقضية من كل كتاب) [1] وقد فعل بدوره الأمرين معا. وفي الباب الثالث من كتاب الحجر سرد الأقوال سردا، مركزا في الغالب على مذهب الإمام مالك من غير دليل ولا تعليل كالمتعب الذي يريد التخلص، وختم بقوله والفروع كثيرة [2]
-ومرة يذكر أن الفقهاء اختلفوا في مسألة دون ذكر لآراء الذين اختلفوا حيث يمر مباشرة إلى سبب الاختلاف، مثل قوله في آخر كتاب الاعتكاف (واختلفوا هل يخرج من المسجد أم ليس يخرج، وكذلك اختلفوا إذا جن المعتكف أو أغمي عليه هل يبني أو ليس يبني بل يستقبل والسبب في اختلافهم في هذا الباب أنه ليس في هذه الأشياء شيء محدود من قبل السمع فيقع التنازع من قبل تشبيههم ما اتفقوا عليه بما اختلفوا فيه) [3] .
-وأود في ختام هذه المؤاخذات أن أشير إلى ملاحظة عنت لي وأنا أطالع قليلا في"المتن الرشدي": كيف أن ابن رشد في"البداية"ولشدة حرصه على التأصيل، انتقد فيما يشبه اللوم الأئمة الذين أصلوا للمذاهب المتبعة، وما يحدث لهم أحيانا في بعض المسائل من القول فيها بأجوبة مختلفة: يخالف فيها القول اللاحق ما قالوه في السابق والمسألة واحدة. ورد ذلك إلى: (أن الإنسان إذا سئل عن أشياء متشابهة في أوقات مختلفة ولم يكن عنده قانون يعمل عليه في تمييزها إلا ما يعطيه بادىء النظر في الحال جاوب فيها بجوابات مختلفة فإذا جاء من بعده أحد فرام أن يجري تلك الأجوبة على قانون واحد وأصل واحد عسر ذلك عليه وأنت تتبين ذلك من كتبهم) [4] .
وودت لو اعتذر لهم على الأقل بمثل ما اعتذر للفلاسفة في موقف مشابه، حيث طالب بعدم مؤاخذة العلماء إذا حدث أن سهوا أحيانا عن أصولهم. يقول في كتابه"تلخيص المزاج": ( .. وهذا كله على أصول جالنوس، لكن ليس بمنكر على الناظر أن يؤصل أصولا في علم، ثم يسهو عن تلك الأصول في موضع من المواضع. ولذلك لا ينبغي أن يتطرق إلى العلماء في أمثال هذه المواضع، وخاصة إذا كانوا هم الذين أفادونا الأصول التي بها وقفنا على سهوهم في هذه المواضع) [5] وقد يكون هذا مما سها فيه رحمه الله، أو رأى أن الشرع لا يجوز فيه ما قد يجوز في غيره لأن الأمر دين.
رابعا- اعتماد المنهجية العلمية
الناظر في البداية يسهل عليه الخروج بانطباع عام حول الأخلاقيات العلمية الرفيعة التي يمتاز بها ابن رشد في كتابه , حيث يدور مع الدليل حيث دار، ويبحث عن الصواب بغض النظر عن قائله , ولا يتعصب لجهة بعينها ويحرص على الموضوعية والتثبت، ويتحلى بالصبر والتواضع والإنصاف. ويرد بغير ما حرج كل ما يرفضه عقله، أو يخالف التجارب الإنسانية، ويعرض عن الافتراضات الخيالية.
ومن ذلك قوله: (وشذ بعضهم فأوجب حرمة للبن الرجل وهذا غير موجود فضلا عن أن يكون له حكم شرعي وإن وجد فليس لبنا إلا باشتراك الاسم) [6] وكذلك قوله في نفس السياق (ولا لبن للميتة إن وجد لها إلا باشتراك الاسم ويكاد أن تكون مسألة غير واقعة فلا يكون لها وجود إلا في القول) [7]
وقريب من ذلك رده اشتراط إصابة عين القبلة لمن كان لا يبصرها، وذلك لاتفاق المسلمين على الصف الطويل خارج الكعبة مما يدل على أن الغرض ليس هو استقبال عينها. وكذا لما في قصد العين من الحرج (فإن إصابة العين شيء لا يدرك إلا بتقريب وتسامح بطريق الهندسة واستعمال الأرصاد في ذلك، فكيف بغير ذلك من طرق الاجتهاد ونحن لم نكلف الاجتهاد فيه بطريق الهندسة المبني على الأرصاد المستنبط منها طول البلاد وعرضها) [8] . فهو يستعين بثقافته العلمية ليبين صعوبة الأمر على عموم الأفراد لما يقتضيه من شروط لا تتوفر إلا لخاصة الخاصة فسقط به التكليف وتعين قصد الجهة فحسب.
كما تظهر طريقته العقلانية في الاستدلال في مواطن كثيرة: منها حديثه في الباب الخامس من كتاب الذبائح (فيمن تجوز تذكيته ومن لا تجوز) حيث خاض الفقهاء في ذبائح أهل الكتاب وفيما هو محرم عليهم وما حرموه على أنفسهم وحكم شحومهم والدخول في نياتهم واعتقاداتهم وتسميتهم الله وغير ذلك.
قال ابن رشد: (والحق أن ما حرم عليهم أو حرموا على أنفسهم هو في وقت شريعة الإسلام أمر باطل إذ كانت ناسخة لجميع الشرائع فيجب أن لا يراعى اعتقادهم في ذلك ولا يشترط أيضا أن يكون اعتقادهم في تحليل الذبائح اعتقاد المسلمين ولا اعتقاد شريعتهم لأنه لو اشترط ذلك لما جاز أكل ذبائحهم بوجه من الوجوه، لكون اعتقاد شريعتهم في ذلك منسوخا واعتقاد شريعتنا لا يصح منهم، وإنما هذا حكم خصهم الله تعالى به فذبائحهم والله أعلم، جائزة لنا على الإطلاق وإلا ارتفع حكم آية التحليل جملة فتأمل هذا فإنه بين والله أعلم) [9]
وكذلك الشأن عند حديثه عن الواجب على من ترك الصلاة عمدا من غير جحود [10] فرغم مصير جمهور الفقهاء إلى الحكم بقتله كالحنابلة والمالكية
(1) بداية المجتهد ج: 2 ص: 324
(2) بداية المجتهد: ج: 2ص: 212 - 213
(3) بداية المجتهد ج: 1 ص: 232
(4) بداية المجتهد ج: 2 ص: 104
(5) المتن الرشدي: ص: 114
(6) بداية المجتهد ج: 2 ص: 30
(7) بداية المجتهد ج: 2 ص: 30.
(8) بداية المجتهد ج: 1 ص: 80
(9) بداية المجتهد ج: 1 ص: 331
(10) بداية المجتهد ج: 1 ص: 65 - 66