الشافعية بغض النظر عن طبيعة القتل هل هو قتل كفر أو حد؟ فقد ناقش المسألة بهدوء، حيث اتجه بداية إلى تدقيق المصطلح قائلا: (وعلى الجملة, فاسم الكفر إنما يطلق بالحقيقة على التكذيب, وتارك الصلاة معلوم أنه ليس بمكذب إلا أن يتركها معتقدا لتركها هكذا) ثم بين أن (حمله على أن حكمه حكم الكافر في أحكامه. لا يجب المصير إليه إلا بدليل) ذلك أنه ليس معدودا في الثلاثة الذين نص الشرع على قتلهم في الحديث المتفق عليه من حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان. أو زنا بعد إحصان, أو قتل نفس بغير نفس) .
كما أن القول بقتله حدا (فضعيف ولا مستند له , إلا قياس شبه ضعيف إن أمكن، وهو تشبيه الصلاة بالقتل في كون الصلاة رأس المأمورات , والقتل رأس المنهيات) ثم انتهى ابن رشد، إلى أن الحكم عليه حكم الكافرين في جميع أحكامه مع أنه مؤمن. شيء مفارق لأصول أهل السنة والجماعة (ولذلك صار هذا القول مضاهيا لقول من يكفر بالذنوب) .
وأما عن الموضوعية فتتجلى في صدقه وصراحته في البحث العلمي ونبذ التعصب وإفساح المجال للآراء لتجادل عن نفسها دون تحيز، إلا ما جذبه إليه الصواب، أو ما يعتقده كذلك. فلا يتحرج من وصف الرأي المجانب للصواب بالاضطراب ولو كان المالكية أبرز القائلين بذلك الرأي المرجوح حيث يقول: (وأما المخالفون فقد اضطرب بهم وجه الدليل لمذهبهم في رد العمل بهذا الحديث) يشير إلى قوله صلى الله عليه وسلم (المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يفترقا إلا لبيع الخيار) . والذي يعتبر إسناده عند الجميع من أوثق الأسانيد وأصحها [1] .
كما أنه لا يجد حرجا في قوله (لا أعلم) مثل قوله: (وأما من فرق بين ما تخرجه الأرض أو لا تخرجه وبين الخفي والظاهر فلا أعلم له مستندا في هذا الوقت) [2] وكذلك قوله في بيع الحنطة في تبنها بعد الدرس (فأما إذا كان مكيلا فجائز عند مالك ولا أعرف فيه قولا لغيره) [3] ويبالغ في الاحتياط في إطلاق الأحكام حيث تكثر عنده عبارات: (فيما أحسب) وذكرها حوالي أربعين مرة و (يشبه أن يكون) كذا .. ذكرها ثمانية وثلاثين مرة.
وقوله (لعله) وقفت على أربعة عشر منها، ويكثر من العبارة المشهورة عند العلماء (والله أعلم) ، ويتردد أحيانا في الرد والقبول مظهرا مواطن الضعف والقوة في الآراء، مثل قوله في مسألة صرف الصدقة إلى الأصناف الذين تجب لهم الزكاة مبينا أن ظاهر اللفظ في النص الشرعي (يقتضي القسمة بين جميعهم والمعنى يقتضي أن يؤثر بها أهل الحاجة إذ كان المقصود به سد الخلة) [4]
(1) بداية المجتهد ج: 2 ص: 128
(2) بداية المجتهد ج: 1 ص: 178
(3) بداية المجتهد ج: 2 ص: 115
(4) بداية المجتهد ج: 1 ص: 201