وختم بقوله (فالأول أظهر من جهة اللفظ وهذا أظهر من جهة المعنى) [1] ورغم تحريه الكبير في إتباع المنهج العلمي في البحث فإنه يشرك القارئ معه في مزيد من التدقيق وتدارك النقص وإصلاح الوهم والخطأ فهو يقول: (وأنا قد أبحت لمن وقع من ذلك على وهم لي أن يصلحه) [2] . وفي أمثلة كثيرة تظهر بجلاء براءة صاحب"البداية"من التعصب حيث يختار داخل المذهب المالكي أو خارجه بغير حرج.
ففي مسألة البيع والصرف يختار رأي أشهب بعد أن يورد الخلاف (وأجاز أشهب الصرف والبيع وهو أجود لأنه ليس في ذلك ما يؤدي إلى ربا ولا إلى غرر) [3]
وفي الاختلاف الواقع في مسألة هيئة الجلوس للتشهد يختار مذهب الطبري حيث قال: (وذهب الطبري مذهب التخيير وقال هذه الهيئات كلها جائزة وحسن فعلها لثبوتها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قول حسن) [4] . ويرجح مرة أخرى رأي أبي حنيفة ففي مسألة إجبار الأب البالغ والثيب غير البالغ على الزواج يعرض للاختلاف، ويبين سببه، وأدلة كل فريق، ويعقب بقوله: (والأصول أكثر شهادة لتعليل أبي حنيفة) [5]
فالذي يظهر من خلال تعامله مع مختلف المذاهب أنه يرى الخلافات الفقهية من الخلاف الطبيعي الذي لا ضرر فيه , بل فيه من اليسر الشيء الكثير وفيه دلالة واضحة على مرونة قواعد الشريعة، الأمر الذي يشعر بالاطمئنان لكل المذاهب المعتبرة حيث يبقى التنافس بينها فقط في قوة الدليل ومناسبة الأحوال.
ومن تأصل مذهب الإنصاف وعدم التعصب عند صاحبنا توليه أحيانا كثيرة الدفاع حتى عن بعض نقط الضعف عند بعض المذاهب. فمثلا: في الشيء الذي تزال به النجاسة ذهب الشافعية إلى أن للماء مزيد خصوصية فيمنع غيره إلا في موضع الرخصة فقط وهو المخرجان، ولما طولبوا ببيان ماهية الخصوصية ومبررها لجأوا إلى القول بأنها عبادة (إذ لم يقدروا أن يعطوا في ذلك سببا معقولا) على عادة الفقهاء حيث يلجؤون إلى القول: (عبادة) إذا ضاق عليهم المسلك مع الخصم.
فيتطوع ابن رشد بمدهم بما يمكن أن يقنعوا به بغير اللجوء إلى ذلك القول حيث يقول: (ولو راموا الانفصال عنهم بأنا نرى أن للماء قوة إحالة للأنجاس والأدناس وقلعها من الثياب والأبدان ليست لغيره ولذلك اعتمده الناس في تنظيف الأبدان والثياب لكان قولا جيدا وغيره بعيد بل لعله واجب أن يعتقد أن الشرع إنما اعتمد في كل موضع غسل النجاسة بالماء لهذه الخاصية التي في الماء ولو كانوا قالوا هذا لكانوا قد قالوا في ذلك قولا هو أدخل في مذهب الفقه الجاري على المعاني
(1) بداية المجتهد ج: 1 ص: 201
(2) بداية المجتهد ج: 1 ص: 64
(3) بداية المجتهد ج: 2 ص: 151
(4) بداية المجتهد ج: 1 ص: 98
(5) بداية المجتهد ج: 2 ص: 5.