ولعظم شأن القياس في الاجتهاد عرفه به، وقد جاء في نفس الصفحة من"الرسالة"موضع تعريف الاجتهاد عند الشافعي الذي بدأنا به: (قال: فما القياس؟ أهو الاجتهاد أم هما متفرقان؟ قلت: هما اسمان لمعنى واحد) والذي يظهر أن هذا عنده: من باب إطلاق الجزء المهم في الشيء على ذلك الشيء كقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الحج: عرفة) . وإلا فالمتتبع لاجتهادات الشافعي يجد فيها أصولا غير القياس.
-وقال ابن حزم في الاجتهاد: (والاجتهاد إنما معناه بلوغ الجهد في طلب دين الله عز وجل الذي أوجبه على عباده) [1] ويفهم منه طلب إصابة عين الحكم لا مجرد الظن. وقال في"الإحكام": (فالاجتهاد في الشريعة هو استنفاد الطاقة في طلب حكم النازلة حيث يوجد ذلك الحكم ما لا خلاف بين أحد من أهل العلم بالديانة فيه) [2] ، وكأنه رجع إلى ضبط تعريفه بما يناسب قول الجمهور.
-وقال الغزالي بأن لفظ الاجتهاد صار: (في عرف العلماء مخصوصا ببذل المجتهد وسعه في طلب العلم بأحكام الشريعة. والاجتهاد التام أن يبذل الوسع في الطلب بحيث يحس من نفسه بالعجز عن مزيد طلب) [3]
-وأما ابن العربي فذكر حقيقة الاجتهاد في المحصول بقوله: (بذل الجهد للوصول إلى ظن بحكم شرعي)
فمن خلال الضوابط التي وضعها الأصوليون للاجتهاد يمكن استبعاد ما يحصل من الاجتهادات مع التقصير، وما يبذل من الوسع في تحصيل أحكام لغوية أو عقلية أو حسية أو اعتقادية أو ما ينال من النصوص ظاهرا. أو حفظ المسائل أو أخذها من المفتين أو الكشف عنها في كتب العلم.
وأما القائم به فلا بد أن يكون متهيئا للفقه ممارسا له متقنا لمبادئه قادرا على استخراج الأحكام لا مجرد حفظ الفروع. فليس كل مشتغل بالدراسات الإسلامية في علم الكلام أو التصوف أو السيرة أو التاريخ ... أو يمارس الوعظ والخطابة يستطيع أن يقحم نفسه في ميدان الاجتهاد والإفتاء (كما أن مجرد حفظ فروع الفقه ومسائله في مذهب أو أكثر لا يجعل من صاحبه فقيها قادرا على الاجتهاد والاستنباط) [4] .
إذ لا بد للاجتهاد من أصول، حتى لا ينقلب التجديد إلى تبديد، والاجتهاد بالمقياس الصحيح، قادر على مسايرة التطور ولكن بمرونة غير سيالة بل إنها (سماحة ومرونة مقيدة بالجريان على أصول الشريعة منضبطة بمقاصدها التي تتجه جملة بتكاليف الشريعة إلى تحقيقها) [5] فهو اجتهاد يتأتى به القدرة على الاستجابة، للتحديات التي يفرضها الواقع والتاريخ في زمان ومكان معينين، في المجتمع الإسلامي. استجابة تحفظ مصالح الإسلام والمسلمين في إطار من الشرع .. وليس
(1) المحلى ج: 1 ص: 67
(2) الإحكام لابن حزم ج: 8 ص: 587
(3) المستصفى: ص: 342
(4) يوسف القرضاوي: الاجتهاد في الشريعة الإسلامية، ص13.
(5) فتحي الدريني: مناهج الاجتهاد. مجلة الاجتهاد ع8/ 1990