كما يحلو للبعض أن يتصور الاجتهاد على أنه إسباغ بردة الدين على أنماط السلوكيات الغربية المستوردة، أو وسيلة للتحلل من الالتزامات الشرعية. أو يقصد به مجرد التخفيف من الأحكام الشرعية فسحا لدائرة الرخص وتضييعا لدائرة العزائم [1] .
خاصة وأن هناك دعاوى في الساحة تدعو إلى تمييع حقيقة الاجتهاد عندما تصر على تجاوز الأصول. إذ لا ترى للاجتهاد معنى كبيرا إذا ظل منضبطا بالكتاب والسنة [2] ، وهي نغمة يروج لها أصحاب:"مجلة الاجتهاد"فقد جاء فيها تعليق على الالتزام بالكتاب والسنة: (لقد انتهى العقل الكلامي الأشعري إلى الحكم على نفسه بوجوب الانعزال، متى دل عل صدق النبي، فهو يأخذ كل ما يأتي به سمعا وموافقة) وبعد رحلته مع الطرق العقلية يرجع (إلى النقل مصدرا والسمع طريقا) ويصفه بأنه"مغناطيس".
واستغرب كيف أقفل كتاب"المستصفى"بباب (القول فيما ترجح به الأخبار) [3] ويصف أحدهم منهج القدماء في الاجتهاد بأنه عقيم يفرغ"الاجتهاد"من مغزاه العميق، وأن الالتزام بالقواعد الأصولية، والعمل بها يقود إلى إنتاج نفس تلك الشروط. ويصف المنظومة الفكرية الأصولية بأن مصطلحاتها تقادمت ولم تعد قادرة على استيعاب مستجدات العصور اللاحقة. ويطرح التساؤل في الأخير: هل المطلوب هو التجديد بمقتضى شروط الاجتهاد. أم المطلوب تجديد شروط الاجتهاد نفسه؟ [4]
وهي نفس الخلاصة التي يؤكدها مسؤول في المجلة، ولأهميتها عندهم تم وضعها على غلافها حيث جاء فيها: (هناك نوعان من الاستسلام، أولهما الاستسلام تجاه الآخر القابع في الخارج، وثانيهما الاستسلام أمام المعطى التاريخي الساكن فينا، والثاني أدهى من الأول. بل يقود إلى الأول ويسببه. ومن أهم أشكال الاستسلام للمعطى التاريخي هو التقيد بأصول الفكر والاجتهاد المتبعة خلال حقبات الماضي، لأننا إذا تمسكنا بأصول وبقواعد الفكر المتبعة في الموروث من الكتب فإننا سوف نصل إلى نفس الاستنتاجات والأحكام) [5] هكذا بإطلاق بغير تمييز بين الأصول المجمع عليها والمختلف فيها. ولا أدري أي تجديد يكون، بغير التزام أصول ضابطة، وحد أدنى يجمع المجتهدين حتى يوحد موضوعهم الذي هو الاجتهاد الإسلامي، وإلا فهو اجتهاد في غير رحاب الإسلام، لا بد من محور جاذبية النصوص حتى لا يقع الانفلات بعيدا في فضاء الأهواء والظنون. وليس في العودة أبدا إلى الأصول المقررة المعتبرة، نكوصا أو تحجيرا وإنما (العودة إلى الأصول
(1) طارق البشري: ملاحظات منهجية حول موضوع التجديد في الفقه الاسلامي مجلة الاجتهاد. ع: 9_1990. ويشير إلى أنه يمكن أن يكون من الاجتهاد المناسب مثلا: منع التجنس والتقلل وضبط الاستهلاك.
(2) رضوان السيد"الشافعي والرسالة"مجلة الاجتهاد، ع: 8_1990.
(3) مجلة الاجتهاد-مقال: الاجتهاد والتعليل- ص. 104 العدد 8_1990
(4) خالد زيادة"هل الاجتهاد أمر ممكن؟ (مجلة الاجتهاد) ص 381 (ع10_11) 1990"
(5) الفضل علي شلق: الاجتهاد في زمن الاقتصاد الريعي، ص: 11_18. ع10_11: 1991.