فرضه الإصابة أو الاجتهاد أعني إصابة الجهة أو العين عند من أوجب العين) [1] وفي حد الغنى الذي يمنع من الصدقة قوله: (وقال مالك ليس في ذلك حد إنما هو راجع إلى الاجتهاد) [2] .
وفي مقدار ما يعطى المسكين الواحد من الصدقة قال: (فلم يحد مالك في ذلك حدا وصرفه إلى الاجتهاد) [3] وفي الجهاد هل يستحق القاتل سلب المقتول؟ ذكر قول مالك أيضا بأنه: (لا يستحق القاتل سلب المقتول إلا أن ينفله له الإمام على جهة الاجتهاد) [4] ومما يدخل أيضا في اجتهاد الحكام والقضاة طبيعة الحكم على البغاة المحاربين يقول ابن رشد: (وأما إذا أخاف السبيل فقط فالإمام عنده مخير في قتله أو صلبه أو قطعه أو نفيه ومعنى التخيير عنده أن الأمر راجع في ذلك إلى اجتهاد الإمام) [5]
ورغم أن هذا النوع من الاجتهاد لا يرقى إلى المعنى الاصطلاحي، إلا أنه لا يقل عنه أهمية إذ يعتبره البعض قسيم اجتهاد الاستنباط. يقول فتحي الدريني: (فقسيم الاجتهاد بالرأي في الاستنباط والتأصيل والتفريع هو الاجتهاد بالرأي في التطبيق، وذلك لتعلق اجتناء ثمرات التشريع واقعا وعملا به. إذ ما جدوى التكلم بحق لا نفاذ له) [6] ويؤكد ضرورة اقتران هذا الاجتهاد-وخصوصا على المستوى الاجتماعي-بالتبصر الواعي بمآلات التطبيق، ونتائجه المتوقعة وتقديم تلك النتائج بميزان المصالح المعتبرة شرعا.
وأما النوع الثاني فيدخل في دائرة الاستنباط الذي يقصد به إخراج الحكم من دليل شرعي على وجه يكون فيه دقة وخفاء، وهو قد يكون بطريق القياس وقد يكون بغيره [7] . وهو ما سماه بتخريج المناط، أو يكون الوصف المعتبر في الحكم مذكورا مع غيره في النص، فينقح بالاجتهاد حتى يميز ما هو معتبر مما هو ملغي [8] وذكر مع هذا القسم نوعا من الاجتهاد التطبيقي الذي يمكن أن يرفع في أسوء الأزمان مثل: ما يرجع إلى الأنواع لا إلى الأشخاص: كتعيين نوع المثل في جزاء الصيد، وما يرجع أيضا إلى الحكمة في تنزيل الأحكام وهي: النظر فيما يصلح بكل مكلف في نفسه، بحسب وقت دون وقت، وحال دون حال، وشخص دون شخص [9] وهو اجتهاد يدخل في تربية الناس وحسن سياستهم.
2_ 2_ حكم الاجتهاد ومشروعيته:
قال الإمام الشافعي: (فجماع ما أبان الله لخلقه في كتابه ما تعبدهم به، لما مضى من حكمه جل ثناؤه من وجوه: فمنها ما أبانه لخلقه نصا: مثل مجمل فرائضه في
(1) بداية المجتهد ج: 1 ص: 80
(2) بداية المجتهد ج: 1 ص: 202
(3) بداية المجتهد ج: 1 ص: 203
(4) بداية المجتهد ج: 1 ص: 290
(5) بداية المجتهد ج: 2 ص: 341
(6) فتحي الدريني"مناهج الاجتهاد"ص204، مجلة الاجتهاد عدد8 سنة1990.
(7) حبيب أحمد الكيرانوي"قواعد في علوم الفقه"ص206.
(8) الموافقات ج: 4 ص: 68.
(9) الموافقات ج: 4 ص: 70 - 71.