أن عليهم صلاة وزكاة وحجا وصوما. وأنه حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ( ... ) ومن: ما سن رسول الله عليه الصلاة والسلام مما ليس لله فيه نص حكم ( ... ) ومنه ما فرض الله على خلقه الاجتهاد في طلبه، وابتلى طاعتهم في الاجتهاد. كما ابتلى طاعتهم في غيره مما فرض عليهم) [1] .
نفهم من ذلك فرضية الاجتهاد في الإسلام، وابتلاء الله تعالى عباده به، كل بحسب وسعه كما ابتلاهم بسائر فرائضه، وأن تكليف العقل بالفكر والاجتهاد للقادر عليه والمؤهل له يساوي تكليف الجسم بالعبادة.
وإذا كان الإمام الشافعي يتحدث عن وجوب الاجتهاد، فإن كثيرا من العلماء بعده كان همهم تأكيد جوازه ومشروعيته ودفع شبه المقلدة. وقد اغتنم مفسرو آيات الأحكام مناسبة كل إشارة في القرآن الكريم لتأكيد هذا المعنى حتى اجتمع من ذلك ما يشبه التواتر المعنوي -حسب اصطلاح الشاطبي - على جواز الاجتهاد.
ومما قاله الجصاص في أحكامه عند آية القبلة: (وهذا أحد الأصول الدالة على تجويز الاجتهاد في أحكام الحوادث , وأن كل واحد من المجتهدين فإنما كلف ما يؤديه إليه اجتهاده ويستولي على ظنه. ويدل أيضا على أن للمشتبه من الحوادث حقيقة مطلوبة كما أن القبلة حقيقة مطلوبة بالاجتهاد والتحري , ولذلك صح تكليف الاجتهاد في طلبها كما صح تكليف طلب القبلة بالاجتهاد ; لأن لها حقيقة , ولو لم يكن هناك قبلة رأسا لما صح تكليفنا طلبها. ) [2]
وكذا دلالة قوله: {لا فارض ولا بكرعوان بين ذلك} على جوازالاجتهاد واستعمال غالب الظن في الأحكام ; إذ لا يعلم أنها بين البكر والفارض إلا من طريق الاجتهاد. ) [3] وفي قوله تعالى: ( {قل إصلاح لهم خير} وفيه الدلالة على جواز الاجتهاد في أحكام الحوادث ; لأن الإصلاح الذي تضمنته الآية إنما يعلم من طريق الاجتهاد وغالب الظن) [4] وفي قوله تعالى: ( {إن ظنا أن يقيما حدود الله} يدل على جواز الاجتهاد في أحكام الحوادث ; لأنه علق الإباحة بالظن) [5] وقوله تعالى: {فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور} يدل على جواز الاجتهاد في أحكام الحوادث لإباحة الله تعالى للوالدين التشاور فيما يؤدي إلى صلاح أمر الصغير , وذلك موقوف على غالب ظنهما لا من جهة اليقين والحقيقة. ) [6]
وفي قوله تعالى: {ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف} قال: (وإثبات المقدار على اعتبار حاله في الإعسار واليسار طريقه الاجتهاد وغالب الظن( ... ) فإذا كان كذلك وكان المعروف منهما موقوفا على عادات الناس فيها والعادات قد تختلف وتتغير , وجب بذلك مراعاة العادات في
(1) - الرسالة: ص21_22.
(2) الجصاص"أحكام القرآن"ج: 1 ص128 - 129
(3) الجصاص"أحكام القرآن"ج: 1 ص50
(4) الجصاص"أحكام القرآن"ج: 1 ص452
(5) الجصاص"أحكام القرآن"ج: 1 ص541
(6) الجصاص"أحكام القرآن"ج: 1 ص563